هندسة الزلزال: هل تعمدت حماس إشعال حرب كبرى لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط؟
حسنين خلوف (محلل استراتيجي – برلين)
حين تتخذ أي حركة تحرر وطني قراراً يفجر مواجهة عسكرية غير مسبوقة مع قوة إقليمية عظمى مدعومة بغطاء غربي مطلق، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقسوة على طاولات مراكز الأبحاث وصناع القرار في عواصم العالم ليس: “هل ستنجح في الانتصار سريعاً؟”، بل: “هل كانت هذه الخطوة مجرد رد فعل تكتيكي غاضب، أم ضربة استراتيجية متعمدة ومحسوبة بعناية لإحداث زلزال يهز أركان الشرق الأوسط برمته؟”
في الغرب، تحاول دوائر الدعاية الإسرائيلية والأمريكية ترويج رواية أن ما حدث في السابع من أكتوبر كان “عملية عشوائية متهورة” قامت بها حركة محاصرة تفاجأت بحجم تداعياتها. لكن القراءة الموضوعية لطبيعة التخطيط، وحجم الأهداف، والتحولات العميق التي تلت الانفجار، تكشف عن حقيقة مختلفة تماماً: نعم، لقد تعمدت حماس إحداث زلزال استراتيجي كبيراً، لأن بقاء الوضع على ما كان عليه كان يعني الموت بطيء القضية والتصصفية النهائية.
أولاً: إسقاط “الوضع الراهن” الميت.. تدمير وهم الإدارة بلا حل
قبل أكتوبر 2023، كان الشرق الأوسط يتحرك نحو مسار خطير ومستدام لتصفية القضية الفلسطينية عبر صفقات التطبيع الإقليمي وتهميش الملف الفلسطيني بالكامل، مع الإبقاء على قطاع غزة في سجن كبير مفتوح يعاني من حصار خانق وموت بطيء بعيداً عن كاميرات العالم.
- أدركت القيادة الاستراتيجية لحماس أن الاستمرار في إدارة الأزمة والتعايش مع الحصار يعني الابتلاع التدريجي للضفة الغربية، وتهويد القدس، ونسيان الملايين من اللاجئين.
- لم يكن أمام المشروع الوطني الفلسطيني سوى خيار “قلب الطاولة” على الجميع؛ حلفاء وخصوماً. كان الهدف المتعمد هو كسر الجمود القاتل وفرض القضية الفلسطينية مجدداً على جدول الأعمال الدولي كأولوية لا يمكن تجاوزها أو القفز فوقها، حتى لو كان الثمن باهظاً ومكلفاً.
ثانياً: هندسة الصدمة.. استهداف عقيدة الردع الإقليمي
القرار الذي اتخذته المقاومة لم يكن مجرد رد على اقتحامات الأقصى أو اعتداءات المستوطنين، بل كان ضربة مصممة لهدم أركان الهيمنة الإسرائيلية في الإقليم من أساسها.
- بتخطيط محكم ودقيق، سعت حماس لتوجيه ضربة قاصمة لعقيدة “الأمن المطلق” التي بني عليها الكيان الصهيوني، وإثبات أن هذا الكيان الهش عاجز عن حماية مواطنيه دون دعم أمريكي وغربي مباشر ومفتوح.
- هذا الاستهداف المتعمد للبنية الأمنية والنفسية للاحتلال كان يهدف منذ اللحظة الأولى إلى جر المنطقة إلى مواجهة مفتوحة، تخرج فيها إسرائيل من حالة “الاستعلاء والاطمئنان” إلى حالة “الاستنزاف الوجودي الطويل”، وهو ما حدث بالفعل وأرغم تل أبيب على الغرق في مستنقع غزة.
ثالثاً: تفجير أوهام الشرق الأوسط الجديد (طريق التطبيع المنسي)
كانت هندسة الحرب الكبرى تهدف بشكل مباشر إلى تغيير معادلات التحالفات الإقليمية التي كانت تسعى لعزل الشعب الفلسطيني ودمج إسرائيل في الجسد العربي دون حل عادل.
- أجبرت هذه الحرب الكبرى العواصم الإقليمية والعالمية على إعادة حساباتها؛ فلم يعد ممكناً الحديث عن “سلام إقليمي وازدهار اقتصادي” متجاوزاً جرح الدمار المستمر في غزة.
- تحولت القضية من مجرد ملف إنساني يحتاج إلى مساعدات مالية ومؤن شهرية، إلى زلزال سياسي وأخلاقي يعيد تعريف الصراع، ويضع كل مشاريع التطبيع والاندماج في مهب الريح.
لم تكن حرب أكتوبر 2023 صدفة عابرة ولا مغامرة غير محسوبة، بل كانت قرارا تاريخيا جريئاً ومروعاً لكسر القيود وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بالنار والدم. لقد أدركت حماس أن كلفة البقاء في سجن الحصار والتهميش تفوق أضعاف مضاعفة كلفة الانفجار الشامل. وسيعترف التاريخ أن هذا الزلزال، رغم قسوته وآلامه الهائلة، هو الذي أعاد الحياة لقضية ظن الجميع أنها دُفنت إلى الأبد!



إرسال التعليق