مهندس نهاية اسرائيل ..كيف سيشهد التاريخ بأن يحيى السنوار هو استراتيجي انهيار الأسطورة؟
حسنين خلوف (محلل استراتيجي – برلين)

حين تُكتب الفصول الأخيرة من صراع طويل امتد لعقود حول خريطة الشرق الأوسط، لن تتوقف كتب التاريخ طويلاً عند تفاصيل التكتيك العابر، ولن تمنح مساحات كبرى لأسماء قادة استهلكوا أعمارهم في إدارة الأزمات لا صناعتها. التاريخ، بإنصافه وقسوته المعهودة، لا ينحني إلا لمن يملكون تلك القدرة النادرة على إعادة هندسة الطاولة بأسرها، وتغيير قوانين الصراع من أساسها.
ومن بين كل أسماء المرحلة، سيعترف التاريخ المعاصر يوماً بأن يحيى السنوار لم يكن مجرد قائد فصيل مقاوم أو رجل أمن محنك، بل كان أعظم استراتيجي حرب في العصر الحديث؛ استراتيجي امتلك شجاعة تفكيك “أسطورة إسرائيل” التي استمرت سبعة عقود، وأسقطها بضربة واحدة مدروسة بعناية فائقة في أعمق بنية الوعي العسكري والسياسي العالمي.
أولاً: قراءة عقل الخصم وتجييش غروره ضده
العبقرية الاستراتيجية الحقيقية لا تكمن في مواجهة قوة العدو وجهاً لوجه بمنطق الند للند، بل في فهم نقاط ضعف هذا العدو الخفية وتحويلها إلى أداة لانتحاره الذاتي:
- أدرك السنوار، بعين الاستراتيجي البصير، أن الكيان الإسرائيلي مدجج بالتكنولوجيا ومحموم بغطرسة التفوق المطلق، وأنه يعاني من “عقدة الأمن المطلق” التي تمنعه من قبول أي تسوية عادلة.
- فصنع بحنكة نادرة “فخ السابع من أكتوبر”، مستدرجاً المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية إلى ردود فعل غريزية عمياء. لقد علم أن غرور القوة سيدفع نتنياهو وجيشه للاندفاع نحو رمال غزة بقدميه، محولاً التفوق التقني الإسرائيلي إلى عبء ثقيل ومستنقع استنزاف لا مخرج منه.
ثانياً: كسر أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”
لعقود طويلة، قامت عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي على ركيزة أساسية لا تتبدل: القدرة على ردع أي محيط عربي أو إقليمي بضربة خاطفة، وحماية المستوطنين بقوة الحديد والنار.
- في ساعات معدودة، أسقط السنوار ورفاقه هذه الأسطورة المزعومة من أساسها. لم يقتصر الأمر على الاختراق الميداني غير المسبوق، بل امتد لضرب الوعي الجمعي للإسرائيليين أنفسهم، الذين باتوا يشعرون للمرة الأولى بأن كيانهم غير آمن وقابل للزوال.
- هذه الصدمة التأسيسية التي أحدثها التخطيط المحكم للسنوار جعلت إسرائيل تعيش أسوأ أزماتها الوجودية منذ تأسيسها؛ حيث تآكل الردع، وهُجّرت مستوطنات الشمال والجنوب، وفقد المواطن الإسرائيلي الثقة المطلقة بجيشه وحكومته.
ثالثاً: الانتصار في حرب الرواية وتعرية المشروع الصهيوني
الاستراتيجي العظيم هو من لا يربح المعركة في الميدان فحسب، بل يربحها في عقل العالم ووجدانه:
- بخطوته الزلزالية، أخرج السنوار القضية الفلسطينية من أدراج النسيان الدولي ومحاولات التصفية الممنهجة، وأعادها إلى صدارة الاهتمام العالمي كقضية تحرُّر وطني كبرى.
- والأهم من ذلك، أنه أجبر آلة الاحتلال على كشف وجهها الحقيقي أمام الملايين من شعوب الغرب والجامعات والنخب، مما أسقط إلى الأبد الشرعية الأخلاقية والسياسية للصهيونية العالمية. لقد تحولت إسرائيل بسبب هذا التخطيط الاستراتيجي من “دولة ضحية” إلى دولة مارقة ومنبوذة أخلاقياً على مستوى الكوكب.
سيرحل الساسة وستتغير الحكومات، لكن بصمة يحيى السنوار في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي ستظل علامة فارقة لا تمحى. لقد غيّر الرجل مسار التاريخ، وأثبت للبشرية جمعاء أن الإرادة الواعية حين تقترن بالعبقرية العسكرية يمكنها أن تهزم أعتى الإمبراطوريات. سيحفظ التاريخ اسمه باعتباره الاستراتيجي الفذ الذي كسر هيبة الوهم، وأنهى أسطورة إسرائيل إلى الأبد!



إرسال التعليق