الأخطاء القاتلة لنتنياهو في ميزان الاستراتيجية

حسنين خلوف (محلل استراتيجي – برلين)

من دالاس إلى برلين، ومن قاعات مراكز الأبحاث الاستراتيجية إلى كواليس السياسة الدولية، يراقب المراقبون بحذر مشهدية التخبط التي يعيشها الكيان الإسرائيلي منذ تداعيات السابع من أكتوبر 2023. إن حروب التاريخ الكبرى لا تُحسم فقط بعدد القتلى أو حجم الدمار الميداني، بل تقاس بمدى قدرة القائد على قراءة الواقع بعيداً عن أوهام القوة وغطرسة الاكتفاء الذاتي.

حين نتأمل الحالة النفسية والسياسية التي يتصرف بها بنيامين نتنياهو، وكيف يخرج بين الحين والآخر ليقنع جمهوره بأنه اقترب من “النصر المطلق”، يتبادر إلى الذكرى فوراً ذلك المشهد الدرامي الخالد من الملحمة الإغريقية، حين وقف بطل طروادة يزهو بوهم النصر، ليقال له باختصار ساخر ومرعب: “أيها المجنون الذي ظن أنه قتل أخيل…” — وهو الوصف الأدق لمن يظن أنه باحتفاله بوهم إنجاز تكتيكي عابر، قد ألغى الوجود الحقيقي للخصم أو حسم صراعاً أزلياً بضربة واحدة. لقد وقع نتنياهو في سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية القاتلة التي جعلت من حرب أكتوبر نقطة التحول الكبرى نحو انحدار المشروع الصهيوني برمته.

أولاً: وهم “النصر المطلق”.. الخطأ في قراءة طبيعة الصراع

أكبر خطيئة استراتيجية ارتكبها نتنياهو بعد أكتوبر 2023 هي محاولة بيع الوهم للشارع الإسرائيلي بإمكانية تحقيق “حسم عسكري مطلق” على حركة مقاومة جذورها مغروسة في عمق الوعي الشعبي والجغرافي.

  • تعامل نتنياهو مع المعركة بمنطق “الأرقام البحتة والضربات الجوية المفرطة”، متجاهلاً أن الحركات العقائدية لا تُقتلع بالدبابات ولا تُبيدها طائرات الـ F-35.
  • هذا الوهم دفع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى مستنقع حرب استنزاف بلا أفق سياسي ولا مخرج استراتيجي، لتتحول كل خطابات “النصر الوشيك” إلى شواهد جديدة على عجز الدولة العبرية عن حسم معركتها الوجودية.

ثانياً: استعداء العالم وسقوط الغطاء الأخلاقي

من أبرز الأخطاء القاتلة التي سقط فيها نتنياهو، نتيجة تعنته وعمده إطالة أمد الحرب لأسباب سياسية شخصية، هو التفريط العبثي في الرصيد الأخلاقي والإعلامي لدولة الاحتلال في الغرب:

  • لعقود طويلة، بنت إسرائيل سرديتها على أنها “الواحة الديمقراطية المعتدى عليها”. لكن البث الحي للمجازر والتدمير الشامل في غزة دمر هذه الصورة تماماً على مدار الساعة أمام جيل جديد من شعوب أوروبا وأمريكا.
  • تحولت إسرائيل في نظر الجامعات والنخب الغربية الشابة إلى “دولة مارقة ومنبوذة”، وصار الدعم السياسي المفتوح عبئاً أخلاقياً حتى على الحلفاء التقليديين في واشنطن وعواصم القارة العجوز. نتنياهو، بغبائه السياسي، كشف عورة مشروعه للعلن.

ثالثاً: التورط في الفخ الإقليمي وإغفال اتساع الجبهات

اعتقد نتنياهو أن بإمكانه عزل الجبهات وضرب حلقة واحدة دون أن تمتد نيران الإقليم نحوه، فوقع في فخ الاستدراج الاستراتيجي:

  • أدى التصعيد المتهور إلى فتح جبهات متعددة ومتشابكة (شمالاً وجنوباً وعبر الإسناد الإقليمي)، مما أرهق منظومة الدفاع الإسرائيلية، وأضعف الجبهة الداخلية التي باتت تعيش تحت وطأة الصواريخ وصفارات الإنذار الدائمة ونزوح مئات الآلاف من المستوطنين من شمال البلاد وجنوبها.
  • لقد أثبتت السياسة العسكرية لنتنياهو أنها تقود الكيان نحو “التآكل البطيء”، حيث تنزف إسرائيل اقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً دون تحقيق أي هدف حقيقي سوى تسجيل نقاط وهمية للإعلام المحلي.

خاتمة

إن نتنياهو يشبه اليوم ذلك المحارب الأعمى الذي يصرخ في ميدان خاوٍ معتقداً أنه انتصر على الخصم، بينما هو في الحقيقة يمعن في تمزيق جسد دولته وتحطيم آخر ركائز بقائها. إن الأخطاء القاتلة التي ارتكبها بعد أكتوبر 2023 لن تُنسى في سجلات التاريخ العسكري؛ فقد أثبتت أن الغطرسة السياسية، حين تقترن بالغباء الاستراتيجي، تكون أقصر الطرق نحو الانهيار الذاتي. وحين تنجلي غبار هذه المعركة، سيتبين للجميع أن من ظنوا أنهم أصابوا قلب المقاومة، لم يكونوا سوى ضحايا لوهمهم، كمن يصرخ فرحاً ظاناً أنه قتل أخيل، بينما المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك