المخابرات مصنع من مصانع الحرب النفسية: دراسة تحليلية في الآليات والممارسات والأبعاد الأخلاقية
محمد عبد الكريم يوسف
المقدمة
لم تعد الحرب في العصر الحديث تُخاض بالسلاح وحده، بل تحولت ساحاتها الكبرى إلى العقول والوعي والإدراك. وفي قلب هذه التحولات، برزت أجهزة المخابرات كفاعل محوري في إنتاج وتنفيذ عمليات الحرب النفسية، بل أصبحت بحق “مصانع” متكاملة لهذا النوع من العمليات. فمن عمليات التضليل والتلاعب بالمعلومات في الحرب الباردة، إلى الحرب المعرفية والعمليات السيبرانية في العصر الرقمي، تُوظّف أجهزة المخابرات مواردها وقدراتها وتقنياتها للتأثير على إدراك الخصوم والجماهير وتوجيه سلوكهم.
ويطرح هذا الدور سؤالاً جوهرياً: كيف تحولت أجهزة المخابرات من مؤسسات لجمع المعلومات وتحليلها إلى مصانع لإنتاج الحرب النفسية؟ وما هي الآليات التي تستخدمها في ذلك؟ وما هي الآثار المترتبة على الأمن والاستقرار والديمقراطية؟
يهدف هذا البحث إلى تحليل الدور الذي تلعبه أجهزة المخابرات كمصانع للحرب النفسية، من خلال مراجعة الأدبيات الأكاديمية والوثائق التاريخية ودراسات الحالة المعاصرة. ويسعى إلى الإجابة عن سؤال مركزي: كيف تحوّلت أجهزة المخابرات إلى مصانع للحرب النفسية، وما هي الآليات التي تستخدمها، وما هي التحديات الأخلاقية والقانونية التي يطرحها هذا التحول؟
أولاً: الإطار المفاهيمي — الحرب النفسية والمخابرات
1.1 تعريف الحرب النفسية
تُعرَّف الحرب النفسية بأنها “الاستخدام المخطط للدعاية وغيرها من الإجراءات النفسية بهدف التأثير على آراء ومشاعر ومواقف وسلوك الجماعات المعادية أو الأجنبية أو المحايدة أو الصديقة بطريقة تدعم تحقيق الأهداف الوطنية”. وتشمل هذه العمليات “تصميم رسائل للتأثير على العواطف والدوافع والتفكير بطرق تخدم الأهداف الاستراتيجية”. ويُعدّ التضليل (disinformation) أحد أهم أدوات الحرب النفسية، إذ يُعرَّف بأنه “نشر معلومات كاذبة بهدف تضليل العدو”.
ويُقسم الأدب الحرب النفسية إلى ثلاثة أنواع رئيسية: الحرب النفسية الاستراتيجية، التي تستهدف الجماهير على المدى الطويل لتشكيل معتقداتها واتجاهاتها؛ والحرب النفسية التكتيكية، التي تُستخدم في ساحات المعارك لتحقيق أهداف فورية؛ والحرب النفسية الموحّدة، التي تدمج بين النوعين. وتشمل أدوات الحرب النفسية: الدعاية البيضاء (مصدرها معلن)، والدعاية الرمادية (مصدرها غير واضح)، والدعاية السوداء (مصدرها مزيف أو منتحل).
1.2 المخابرات كمُنتِج للحرب النفسية
يُعدّ الارتباط بين المخابرات والحرب النفسية ارتباطاً عضوياً. فمنذ الحرب العالمية الثانية، أدركت أجهزة المخابرات أن جمع المعلومات لا يكفي لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، بل لا بد من التأثير الفعّال على إدراك الخصوم والجماهير. وقد أسّس مكتب الخدمات الاستراتيجية الأمريكي (OSS) خلال الحرب العالمية الثانية وحدة متخصصة في الحرب النفسية، تطورت لاحقاً إلى قدرات أكثر تنظيماً في وكالة الاستخبارات المركزية (CIA).
وتشير الأدبيات الأكاديمية إلى أن “أجهزة الاستخبارات لم تقتصر على جمع المعلومات، بل شاركت بنشاط في إنتاج السرديات الأمنية التي تُشكّل فهم الجمهور للتهديدات وتوجهاته تجاهها”. ويُظهر كتاب “علم الإكراه” (Science of Coercion) لكريستوفر سيمبسون كيف أن “البحث في الحرب النفسية الذي موّلته وكالات الأمن القومي الأمريكية كان له دور أساسي في تطوير علم الاتصال الحديث”. وهذا يعني أن المخابرات لم تكن مجرد مستخدم للحرب النفسية، بل كانت منتجاً ومطوّراً لأدواتها وتقنياتها.
ثانياً: البنية المؤسسية — كيف يُنظَّم إنتاج الحرب النفسية؟
2.1 الوحدات المتخصصة في أجهزة المخابرات
خصّصت أجهزة المخابرات في العديد من الدول وحدات متكاملة لإنتاج وتنفيذ عمليات الحرب النفسية. ففي إسرائيل، يُعدّ مركز “عمليات الوعي” (المعروف اختصاراً بـ”ملات”) القسم المسؤول عن “قيادة عمليات الحرب النفسية ضد الخصوم” ضمن شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان). وقد “كثّف المركز استخدام تكتيكات مختلفة لشن حرب نفسية” أثناء الحروب، مستخدماً وسائل متعددة للتأثير على المقاومة والمدنيين.
وفي إيران، أنشأت وزارة الاستخبارات والأمن الوطني قسماً خاصاً يُعرف بـ”التضليل”، يُستخدم في “عمليات الحرب النفسية والتضليل الإعلامي والدعائي ضد أعداء الجمهورية الإسلامية”. أما في روسيا، فيُعدّ جهاز المخابرات الخارجية (SVR) ووحدات “العمليات النفسية” التابعة له من أبرز الفاعلين في هذا المجال، إذ “تقوم وحدات العمليات النفسية بمراقبة يومية للموضوعات التي تهم الجهاز، ويتم نقل المنشورات على الوسائط الاجتماعية” بهدف “تغيير تصورات وسلوكيات الجماهير الأجنبية”.
2.2 برامج التدريب وإنتاج “خبراء التأثير“
لا يقتصر إنتاج الحرب النفسية على العمليات الميدانية، بل يمتد إلى بناء القدرات البشرية والمؤسسية. وتكشف وثيقة مناقصة داخلية لوزارة الدفاع الإسرائيلية عن برنامج تدريبي متكامل يتكوّن من “ثماني دورات سنوية: ثلاث في عمليات التأثير، واثنتان في استخبارات التأثير، وثلاث في تدريب النشطاء الإلكترونيين”. وكل دورة “وُضعت لاستيعاب ما يصل إلى 40 متدرباً، ما يعني أن البرنامج قادر على تدريب نحو 320 خبيراً في التأثير سنوياً”.
ويشمل المنهاج التدريبي محاور رئيسية مثل “أساسيات الحرب النفسية والدعاية والخداع والشرعية والدبلوماسية العامة، وتقسيم الجماهير المستهدفة”، فضلاً عن “تدريب المشاركين على رصد محاولات التأثير التي تنفذها الجهات المعادية، وتحليل السرديات والمواد البصرية”. ويُدرَّب المتدربون على “استخدام تقنيات التزييف العميق (Deepfakes)”، مما يعني أن هذه المصانع لا تكتفي بتدريب كوادر بشرية فحسب، بل تُطوّر قدرات تكنولوجية متقدمة.
ثالثاً: الآليات والأدوات — ترسانة الحرب النفسية
3.1 التضليل والدعاية
يُعدّ التضليل أحد أقدم وأكثر أدوات الحرب النفسية فعالية. ومن أبرز الأمثلة التاريخية عملية “INFEKTION” التي أطلقها الـ KGB عام 1983، والتي “نشرت شائعة أن وزارة الدفاع الأمريكية هي التي خلقت فيروس الإيدز”. وفي الجانب الأمريكي، استخدم مكتب المعلومات الحربي (OWI) خلال الحرب العالمية الثانية التضليل “لتنفيذ عمليات حرب نفسية بهدف تدمير معنويات قوات العدو”.
وفي العصر المعاصر، تطورت أساليب التضليل لتشمل “استطلاعات الرأي العام المزيفة”، التي “تُستخدم كوسيلة إبداعية لوضع تصريحات سياسية مثيرة للجدل أمام أشخاص تم تجنيدهم تحت غطاء أنهم مشاركون في جهد بحثي مشروع”. وهكذا تتحول أدوات قياس الرأي العام إلى أدوات لتشكيله وتوجيهه.
3.2 العمليات النفسية في السياق العسكري
في السياقات العسكرية، تندمج العمليات النفسية مع العمليات القتالية لتشكيل ما يُعرف بـ”الحرب النفسية المتكاملة”. وتشير دراسة حول الدعم الاستخباري للحرب النفسية الأمريكية في حرب الخليج إلى أن “الجيش الأمريكي تبنّى نموذج الدعم الاستخباري الذي يدمج عمليات الحرب النفسية مع العمليات العسكرية التقليدية”، وبنى “نظام دعم استخباري للحرب النفسية قائم على مبدأ الإدارة المركزية والتنفيذ اللامركزي”.
ويُظهر هذا النموذج كيف تُوظَّف جميع أنواع الاستخبارات – إشارية وصورية وبشرية – لدعم العمليات النفسية. فمن خلال “التنسيق الوثيق والاستجابة السريعة لعدة أجهزة استخباراتية، يتحقق الاندماج العميق بين الاستخبارات وعمليات الحرب النفسية”. وبذلك تصبح المخابرات ليست مجرد مصدر للمعلومات، بل مصنعاً متكاملاً للعمليات النفسية.
3.3 الحرب المعرفية: الجيل الجديد من الحرب النفسية
شهد العقدان الأخيران تحولاً جوهرياً من “الحرب النفسية” التقليدية إلى ما يُعرف بـ”الحرب المعرفية” (Cognitive Warfare). ويُعرّف هذا المفهوم بأنه “الاستهداف المتعمد للإدراك البشري والآلي للتأثير على كيفية تفكير الناس، وما يشعرون به، وكيف يتصرفون”. ويُعدّ هذا التحول جوهرياً لأن الحرب المعرفية “لا تسعى في المقام الأول إلى الإقناع، بل إلى الإنهاك والتفتيت والشلل”.
وتشير تحليلات حلف شمال الأطلسي (NATO) إلى أن “أجهزة الاستخبارات تدمج التضليل والسيطرة الانعكاسية والتلاعب العاطفي والإجراءات الصغيرة القابلة للإنكار لتآكل الثقة في المؤسسات، وطمس الواقع، وتضخيم الشقوق الاجتماعية”. والهدف النهائي هو “إضعاف التماسك الغربي، وإبطاء اتخاذ القرار، وتقويض الفهم الجماعي”. وفي هذا النموذج، “تصبح الإدراك والعاطفة والانتباه ساحة المعركة، والمجتمعات التي لا تستطيع الاتفاق على ما هو حقيقي تفقد القدرة على العمل معاً”.
3.4 العمليات السيبرانية والتأثير الرقمي
في العصر الرقمي، طوّرت أجهزة المخابرات أدوات متقدمة للتأثير على الرأي العام عبر الفضاء السيبراني. وتُعدّ “جنود السيبران” (Cybertroopers) من أبرز هذه الأدوات، وهم “فاعلون سريون ومجهولون ومنسقون” يعملون ضمن شبكات من عمليات التأثير. وتكشف دراسة ميدانية أن “عمليات جنود السيبران لا تُقنع المواطنين بالحقائق، بل تُصنّع الإجماع من خلال الظهور والسرية والامتثال”.
وقد حددت التحقيقات الاستخباراتية الأمريكية أن “وكالة أبحاث الإنترنت الروسية شغّلت شخصيات سرية على وسائل التواصل الاجتماعي تنتحل صفة نشطاء قواعد شعبية لتشكيل الخطاب السياسي خلال انتخابات 2016 الأمريكية”. وروجت هذه الحسابات “لسرديات متضاربة عبر الخطوط الأيديولوجية، مما أظهر استراتيجية تركز على تآكل الثقة والانقسام”. وتشير الدراسات إلى أن “أكثر من 25 دولة تستخدم حملات تلاعب منظمة عبر الإنترنت، بينما شهد ما لا يقل عن 80 دولة تلاعباً أوسع بالرأي العام”.
3.5 السيطرة على وسائل الإعلام والتغلغل فيها
لا تقتصر عمليات الحرب النفسية على الفضاء الرقمي، بل تمتد إلى السيطرة على وسائل الإعلام التقليدية والتغلغل فيها. ويُعدّ نموذج “عملية الطائر المحاكي” (Operation Mockingbird) التي أطلقتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في الحرب الباردة النموذج الأكثر توثيقاً. فقد اعترفت الوكالة بأن “ما لا يقل عن 400 صحفي و25 منظمة كبرى حول العالم نفّذوا مهام سرية للوكالة”.
ولم تقتصر العملية على شراء الصحفيين، بل امتدت إلى اختراق صناعة الترفيه نفسها. فقد “أرادت الوكالة أن تجعل هوليوود في الحرب الثقافية الباردة تقف في الصف الصحيح”، فتدخلت لجنة الأنشطة غير الأمريكية لملاحقة الفنانين ذوي “الآراء الخاطئة”، وأُدرج عملاء في شركات الإنتاج لـ”إضافة آراء صحيحة ببراعة إلى السيناريوهات والأفلام”. وفي عام 1954، مولت العملية فيلم “مزرعة الحيوان” بهدف تشويه سمعة الشيوعية.
وفي العصر المعاصر، كشفت تحقيقات استقصائية عن نماذج أكثر تقدماً، مثل منصة “جسور نيوز” التي “ليست سوى واجهة متقدمة لحملة استخباراتية واسعة”، تهدف إلى “اختراق الوعي العربي وتزييف الحقائق”. ويكشف التحقيق أن أحد كبار المحررين “طلب من ناشط محلي تزويده بمقاطع مرئية تظهر أسواقاً عامرة بالخضار والفاكهة ونساء يتسوقن” بهدف “جمع مواد إعلامية مضللة”.
رابعاً: دراسات حالة مقارنة
4.1 النموذج الأمريكي: من الحرب الباردة إلى الحرب المعرفية
يُعدّ النموذج الأمريكي الأكثر توثيقاً في أدبيات الحرب النفسية. فمنذ الحرب العالمية الثانية، أسّس مكتب الخدمات الاستراتيجية (OSS) وحدة للحرب النفسية، ثم أنشأت إدارة ترومان “مجلس الاستراتيجية النفسية” (PSB) تحت إشراف مجلس الأمن القومي “لتنسيق استراتيجية الحرب النفسية على مستوى الحكومة”. وفي ديسمبر 1947، أصدر مجلس الأمن القومي التوجيه NSC 4-A الذي “جعل مدير الاستخبارات المركزية مسؤولاً عن الحرب النفسية”. ثم جاء التوجيه NSC 10/2 في يونيو 1948 ليوسّع المهمة من “عمليات نفسية” إلى “عمليات سرية” تشمل “الدعاية والحرب الاقتصادية والعمل المباشر الوقائي والتخريب ودعم حركات المقاومة السرية”.
وفي الحرب الباردة، مولت وكالة الاستخبارات المركزية أبحاثاً أكاديمية في مجال الاتصال والحرب النفسية. ويُظهر سيمبسون أن “العديد من أبرز رواد علم الاتصال كانوا متواطئين عن علم في جهود الحرب الباردة الأمريكية”، وأن “نتائجهم حول الاتصال الجماهيري استُخدمت في النهاية لأغراض الدعاية والتخريب والتخويف ومكافحة التمرد”. وهذا يعني أن المخابرات لم تكتف بتطبيق الحرب النفسية، بل أنتجت المعرفة العلمية التي جعلتها أكثر فعالية.
وفي العصر الرقمي، تحوّل النموذج الأمريكي إلى ما يُعرف بـ”الحرب المعرفية”، حيث تُدمج أدوات متعددة: “الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والتلاعب بوسائل التواصل الاجتماعي، وأنظمة المراسلة الآلية”. وتشير تحليلات الناتو إلى أن “الصين وروسيا والولايات المتحدة تتصارعان على السيطرة على الإدراك البشري”.
4.2 النموذج الروسي: الحرب المعلوماتية كعقيدة
يتبنى النموذج الروسي مقاربة شاملة تُعرف بـ”عقيدة المواجهة المعلوماتية” (ICD)، التي “توظّف التدابير التقنية – بما في ذلك العمليات السيبرانية والحرب الإلكترونية – والتدابير النفسية – مثل الدعاية وعمليات التضليل”. ويعمل هذا النظام عبر “أكثر من 50 فاعلاً” يتراوح بين أجهزة الدولة والجهات الفاعلة غير الحكومية والكيانات السرية والعلنية.
وتُدير هذه العمليات أجهزة المخابرات الثلاثة الرئيسية: “المديرية الرئيسية لهيئة الأركان العامة (GRU)، وجهاز الأمن الفيدرالي (FSB)، وجهاز المخابرات الخارجية (SVR)”. وتشمل التدابير التقنية “العمليات السيبرانية والاستخبارات السيبرانية والعمليات المعلوماتية الممكنة سيبرانياً”، بينما تشمل التدابير النفسية “التلاعب بالسرديات وتشكيل التصور العام”.
ويُعدّ “التأثير الانعكاسي” (Reflexive Control) أحد المفاهيم المركزية في الحرب النفسية الروسية، وهو “نقل أسباب وأساس القرار إلى العدو بحيث يتخذ القرار المطلوب من قبل الجانب الآخر”. وتشير تقارير الناتو إلى أن روسيا “تدمج التضليل والسيطرة الانعكاسية والتلاعب العاطفي والإجراءات الصغيرة القابلة للإنكار” لتحقيق “تكافؤ عبر الطرح: إضعاف التماسك الغربي وإبطاء اتخاذ القرار وتقويض الفهم الجماعي”.
4.3 النموذج الصيني: الحرب المعرفية كأداة للحزب
يطرح النموذج الصيني مقاربة فريدة للحرب النفسية، تقوم على مفهوم “الأمن المعرفي” الذي يشمل “مجموعة من الأدوات الدفاعية والهجومية المصممة لحماية المجال المعرفي للمجتمع من التأثير الخارجي، وترسيخ صورة واقعية تُصادق عليها الدولة، وتحقيق تفوق استراتيجي عبر استهداف آليات الخصم المعرفية”.
ويشير التحول المفاهيمي في الصين من “حرب المعلومات” إلى “الحرب المعرفية” إلى أن “الهدف الأساسي لم يعد السيطرة على تدفقات البيانات، بل الصراع على ‘الحق في التفسير’ للواقع”. ويعرّف المفكرون الصينيون “المجال المعرفي كمجال عملياتي مستقل”.
ويُدمج النموذج الصيني بين “الاستراتيجيات التقليدية والتقنيات المتقدمة – بما في ذلك الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات الضخمة والهندسة الاجتماعية – لتطوير أدوات تأثير مستهدفة”. ويُعدّ الذكاء الاصطناعي “محورياً في استراتيجية الحرب المعرفية الصينية، إذ يتيح التحليل السريع للبيانات والتحليل الآلي للمشاعر وإنشاء حملات تأثير مصممة خصيصاً”. ويشير التحليل إلى أن “الحزب الشيوعي الصيني طوّر أكثر المقاربات تطوراً وشمولاً للحرب المعرفية مقارنة بأي فاعل آخر”.
4.4 النموذج الإسرائيلي: مصنع متكامل للحرب النفسية
تُقدّم إسرائيل نموذجاً متكاملاً لتحويل المؤسسة العسكرية والأمنية إلى “مصنع للحرب النفسية”. وتكشف وثيقة مناقصة داخلية لوزارة الدفاع أن “المؤسسة العسكرية تحولت إلى مصنع للحرب النفسية، إذ تُدرّب جنوداً وقيادات نخبوية أخرى على تنفيذ عمليات نفسية صُممت للتأثير في الوعي العام، والتلاعب بالجماهير، وممارسة التأثير النفسي عليها، داخلياً وخارجياً”.
ويشمل هذا البرنامج التدريبي محاور متعددة، منها “أساسيات الحرب النفسية والدعاية والخداع والشرعية والدبلوماسية العامة”، وتدريب المشاركين على “رصد محاولات التأثير التي تنفذها الجهات المعادية، وتحليل السرديات والمواد البصرية، وتعلم أساليب الحرب النفسية والدعاية والخداع، واستخدام تقنيات التزييف العميق”. أما الغاية المرجوة، فهي “تسويق سرديتها لحروبها وجرائمها”.
وفي السياق الإيراني، كشفت تقارير عن إنشاء “وحدة العمليات النفسية” في الموساد عام 2021، مهمتها “دراسة الرأي العام الإيراني، وتحديد الفجوات الاجتماعية، وتصميم عمليات إعلامية والتأثير على الفضاء الذهني للمجتمع الإيراني”. وتشير التقارير إلى أن الموساد “يشغّل ‘آلة سامة’ تستخدم حسابات مزيفة وصفحات مجهولة وتوزيع محتوى مدفوع بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مؤثرين افتراضيين”.
خامساً: الأبعاد الأخلاقية والقانونية
5.1 التآكل المضاعف للثقة
يُشكّل استخدام أجهزة المخابرات للحرب النفسية تهديداً مباشراً للثقة العامة في المؤسسات. فإذا كُشف أن وكالة استخبارات ما تتلاعب بالرأي العام، فإن الثقة التي تُعدّ أساساً لشرعيتها تتآكل. وتشير دراسات الرأي العام إلى أن “كل جيل من الأمريكيين يثق بوكالات الاستخبارات أقل فأقل”. ويُعدّ هذا التراجع في الثقة نتيجة مباشرة لعمليات التلاعب التي كُشفت، والتي تجعل المواطنين يشككون في مصداقية أي معلومات تصدر عن هذه الأجهزة.
ويزداد الأمر تعقيداً عندما تستخدم أجهزة المخابرات “أدوات كهرومعلوماتية” للتأثير على الرأي العام في سياقات ديمقراطية. ففي دراسة عن الاستخبارات الكورية الجنوبية، وُجد أن “عناصر من أجهزة الأمن والاستخبارات استخدمت وسائل التواصل الاجتماعي للتلاعب بالرأي العام وتقويض الديمقراطية”. وعندما تُستخدم الأدوات المخصصة لحماية الديمقراطية ضدها، فإن النتيجة تكون تآكلاً مضاعفاً: تآكل الثقة في الاستخبارات، وتآكل الثقة في الديمقراطية نفسها.
5.2 المفارقة الديمقراطية
تطرح عمليات الحرب النفسية التي تنفذها أجهزة المخابرات مفارقة جوهرية في المجتمعات الديمقراطية. فمن جهة، تعتمد هذه الأجهزة على دعم الجمهور لشرعيتها واستمرارها. ومن جهة أخرى، فإن “السمعة المؤسسية للاستخبارات تعتمد على الافتراض بأنها محايدة وغير سياسية”، مما يجعل استخدامها للتأثير على الرأي العام – خاصة المحلي – محفوفاً بالمخاطر.
وقد حذّر باحثون من أن “إشراك أجهزة الاستخبارات في الاتصالات العامة، لا سيما تلك التي تهدف إلى التأثير على الرأي العام في وطنها”، يثير مخاوف جدية “للمواطنين، وبالتأكيد للباحثين الأكاديميين”. فالديمقراطية تقوم على المواطنة المستنيرة والمشاركة الحرة، والحرب النفسية التي تشوّه إدراك المواطنين وتُضلّلهم تتناقض جوهرياً مع هذه المبادئ.
5.3 التحديات القانونية
تثير عمليات الحرب النفسية التي تنفذها أجهزة المخابرات إشكالات قانونية متعددة. ففي الولايات المتحدة، حظر قانون الأمن الوطني لعام 1947 على وكالة الاستخبارات المركزية ممارسة أنشطة داخلية، لكن التحقيقات كشفت عن تجاوزات واسعة. وتشير الأدبيات إلى أن “الوكالات التي يُفترض أن تكافح التهديدات الأجنبية تستخدم أدوات نفسية لشن عمليات تأثير ضد السكان المحليين”.
وفي السياق الدولي، تثير عمليات الحرب النفسية إشكالات تتعلق بالسيادة الوطنية ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية. فعمليات مثل “عملية الطائر المحاكي” التي استهدفت الرأي العام في دول العالم، أو عمليات التأثير الروسية في الانتخابات الأمريكية، تشكّل انتهاكات صارخة لمبادئ القانون الدولي. وتزداد خطورة هذه العمليات عندما تستهدف “تآكل الثقة في المؤسسات، وطمس الواقع، وتضخيم الشقوق الاجتماعية” في الديمقراطيات، مما يهدد أسس النظام الديمقراطي ذاته.
سادساً: التحديات المعاصرة
6.1 التزييف العميق والذكاء الاصطناعي
يُضيف التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق أبعاداً جديدة لعمليات الحرب النفسية. فالقدرة على إنتاج مقاطع فيديو وصوتيات مزيفة يصعب تمييزها عن الحقيقية تفتح آفاقاً غير مسبوقة للتلاعب بالوعي الجماعي. وتشير الأدبيات إلى أن “التزييف العميق يُستخدم كأداة في حملات التأثير”. ويُتوقع أن تتضاعف هذه المخاطر مع تطور نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي.
6.2 صعوبة الكشف والمقاومة
تُعدّ عمليات الحرب النفسية الحديثة مصممة لتكون “قابلة للإنكار” (deniable)، مما يجعل اكتشافها وإثباتها أمراً بالغ الصعوبة. وتشير تحليلات الناتو إلى أن هذه العمليات “تعتمد على الحجم والغموض”، إذ “تُزرع السرديات في مساحات هامشية، وتُغسل عبر أصوات محلية زائفة، وتُضخّم عبر الأتمتة والذكاء الاصطناعي، بينما ينفذ وكلاء قابلون للإنكار – غالباً أفراد غير مدركين – أعمالاً تخريبية منخفضة المستوى تبدو غير مترابطة أو إجرامية”.
ويزداد الأمر تعقيداً لأن “الدفاعات التفاعلية البحتة غير كافية”، كما أن “الحصانة في المجال المعرفي تعتمد على المشاركة المجتمعية النشطة والسلوك المعلوماتي المنضبط وتعزيز الثقة كأصل استراتيجي”. وهذا يعني أن مواجهة الحرب النفسية تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الإجراءات الأمنية التقليدية.
6.3 نحو نموذج بديل
ثمة نماذج بديلة تبرز في بعض الديمقراطيات، تقوم على “الشفافية الاستخباراتية” بدلاً من التلاعب. وتشير تجربة أجهزة الاستخبارات في ليتوانيا إلى أن “التواصل الاستراتيجي لوكالات الاستخبارات ضروري للنجاح طويل المدى لعملياتها”، من خلال “إعلام وتثقيف الجمهور عن نفسها وعن الأمن الوطني وتطوير علاقة تعاونية”. ويُقترح أن “المؤسسات الاستخباراتية قد تحتاج إلى تطوير تعاون وثيق مع صناع الرأي في المجتمع، لتعزيز الوعي العام بالتهديدات المحتملة”.
وهذا يتطلب تحولاً من نموذج “التلاعب” إلى نموذج “الشراكة” في العلاقة بين الاستخبارات والجمهور. فالاستخبارات في النهاية ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لخدمة المجتمع وحماية أمنه، ولا يمكن تحقيق هذه الغاية بتقويض الأسس التي يقوم عليها المجتمع ذاته.
الخاتمة
يُظهر تحليل دور أجهزة المخابرات كـ”مصانع للحرب النفسية” أن هذه المؤسسات لم تعد تقتصر على جمع المعلومات وتحليلها، بل أصبحت فاعلاً محورياً في إنتاج السرديات وتشكيل الإدراك وتوجيه السلوك. فمن عمليات التضليل والدعاية في الحرب الباردة، إلى الحرب المعرفية والعمليات السيبرانية في العصر الرقمي، تُوظّف أجهزة المخابرات ترسانة متكاملة من الأدوات – من شراء الصحفيين وزرع القصص، إلى التلاعب بالخوارزميات وتصنيع الإجماع – لتحقيق أهداف استراتيجية تتجاوز بكثير المجال العسكري التقليدي.
ويُثير هذا الدور تحديات أخلاقية وقانونية عميقة. فالحرب النفسية التي تشوّه إدراك المواطنين وتُضلّلهم تتناقض جوهرياً مع المبادئ الديمقراطية التي تقوم على المواطنة المستنيرة والمشاركة الحرة. كما أنها تُقوّض الثقة العامة في المؤسسات، بما في ذلك أجهزة المخابرات نفسها، التي تعتمد على هذه الثقة لشرعيتها وفعاليتها. ويزداد الأمر خطورة في العصر الرقمي، حيث أصبحت أدوات التأثير أكثر فعالية وانتشاراً وأصعب في الاكتشاف والمقاومة.
غير أن ثمة أملاً في نموذج بديل. فبعض الديمقراطيات تتجه نحو “الشفافية الاستخباراتية” والتواصل المسؤول، حيث تُعلّم أجهزة الاستخبارات الجمهور بدلاً من أن تتلاعب به، وتبني الثقة بدلاً من أن تستنزفها. وهذا النموذج، رغم أنه لا يخلو من تحديات، يمثل المسار الأكثر اتساقاً مع القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. فالاستخبارات في النهاية ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لخدمة المجتمع وحماية أمنه، ولا يمكن تحقيق هذه الغاية بتقويض الأسس التي يقوم عليها المجتمع ذاته.
المراجع
- Christopher Simpson, Science of Coercion: Communication Research & Psychological Warfare, 1945–1960, Open Road Media, 2015.
- “Note on U.S. Covert Actions,” Foreign Relations of the United States, 1964-1968, Volume XII.
- CIA Report to the Psychological Strategy Board, January-June 1953, CIA Reading Room.
- “مركز ‘عمليات الوعي’ قسم الحرب النفسية باستخبارات إسرائيل العسكرية,” الجزيرة نت, 26 يوليو 2025.
- “مصنع الحرب النفسية الإسرائيلية.. أفيخاي ليس حالة فردية,” المدن, 15 يوليو 2026.
- IISS, “How the Kremlin shapes the information environment,” Charting Cyberspace, June 2025.
- I. Denisov, “The Chinese Model of Cognitive Security: ‘The Right to Interpret’ as a Resource of Power,” MEMO Journal, Vol. 70, No. 1, 2026.
- NATO ACT, Cognitive Warfare Newsletter, January 2026.
- “Mossad’s secret war: Spy agency has special unit for psychological warfare in Iran,” The Week, May 29, 2026.
- “Information Warfare,” DID Press Agency, May 31, 2026.
- “Russian Intelligence and Cognitive Warfare,” NATO Defense College, 2025.
- “The Cognitive Battlespace: Psychological Operations, Influencer Warfare, And The Fight For Human Perception,” Military.com, March 1, 2026.
- Yanoun Fatma, “غسيل الدماغ والمخابرات ودورها في الحرب النفسية,” Université d’Alger, 2021.
- “تسريب الاخبار والحرب النفسية في أجهزة المخابرات,” Kitabat, 2021.
- “تأطير العقول وتدجين النخب,” 26sep.net, 14 سبتمبر 2026.
- “Research on U.S. Military Psychological Warfare Intelligence Support in the Gulf War,” 情报杂志, Vol. 45, No. 2, 2026.


إرسال التعليق