كيف يصنع المطبخ العسكري مجد الجيوش في المعارك؟
اللواء المتقاعد عبد الباقي جابر
حين يُؤرخ للمعارك الكبرى والحروب الحاسمة، تتجه الأنظار عادة إلى استراتيجيات الجنرالات، وأنواع الأسلحة، وكفاءة التخطيط الميداني، وعدد الكتائب والآليات. غير أن هناك جندياً خفياً وصامتاً يُعد الحاسم الأكبر في كفة أي صراع عسكري، وهو عنصر لا يُعنى بحمل السلاح، بل بإطعام من يحمله: المطبخ العسكري والإمداد الغذائي. فالجيوش لا تسير على بطون خاوية، ومعدة الجندي هي الوقود الحقيقي الذي تشتعل به طاقته القتالية أو تنطفئ.
تاريخ الفن العسكري مليء بالدروس التي تؤكد أن انهيار منظومة التغذية يعادل هزيمة عسكرية منكرة. فالجندي المعزول في خندقه، المحروم من وجبة دافئة وسعرات حرارية كافية، يتحول سريعاً إلى كائن ينهشه الإرهاق الذهني والنفسي، وتتراجع لديه دقة اتخاذ القرار ورد الفعل السريع تحت نيران العدو. من هنا، أدركت الجيوش المحترفة عبر التاريخ أن بناء خطوط إمداد غذائي مستقرة يوازي في أهميته تأمين الذخيرة وخطوط التراجع.
ولا يقتصر تأثير الطعام على الجانب الحيوي والبيولوجي فحسب، بل يمتد بعمق إلى البعد المعنوي والنفسي للمقاتل. إن الوجبة الساخنة المنتظمة، وتنوع الغذاء، وحتى تفاصيل التموين الصغيرة في ظروف الميدان القاسية، تمنح الجندي شعوراً بالطمأنية والاهتمام من قيادته، مما يرفع روحه المعنوية ويقوي صلابته في وجه الأهوال. وفي المقابل، فإن فشل القيادة اللوجستية في تأمين الغذاء يولد حالة من التذمر وفقدان الثقة، وربما يؤدي إلى انهيار الوحدات العسكرية من الداخل دون حتى أن تصطدم بالعدو بشكل مباشر.
في حروب العصر الحديث ومع تعقيد مسارح العمليات، تطورت تكتيكات الإعاشة العسكرية لتصبح علماً قائماً بذاته، يعتمد على الأغذية المبتكرة ذات القيمة العالية وسريعة التحضير. إلا أن القاعدة التاريخية الثابتة تظل راسخة: الجيش الذي يمتلك مطبخاً ميدانياً منظماً وشبكة إمداد تموين كفؤة، يمتلك بالضرورة نصف أسباب النصر، لأن إرادة القتال تبدأ حتماً من سلامة البدن واستقرار الغذاء.


إرسال التعليق