بناء المؤسسة العسكرية: بين تحديات الهيكلة وصرامة العقيدة الوطنية

اللواء المتقاعد عبد الباقي جابر

تخوض المؤسسة العسكرية العراقية منذ سنوات مخاضاً عسيراً ومعقداً في مسار إعادة بنائها وهيكلتها، سعيّاً لتجاوز تداعيات الانهيارات التاريخية والصدمات الهيكلية المتعاقبة. غير أن هذا المسار لا يزال يصطدم بمنظومة متداخلة من التحديات الجسيمة التي تمس البنية المؤسسية والعمق العقائدي على حد سواء.

التحديات الهيكلية واللوجستية

تبرز العقبات الهيكلية في صدارة العراقيل التي تعيق التحول نحو جيش حديث ومنتظم؛ إذ تعاني المؤسسة غالباً من تداخل الاختصاصات البيروقراطية وتعدد تشكيلات الأجهزة الأمنية الموازية، مما يخلق ازدواجية في القيادة والسيطرة ويعطل اتخاذ القرار الميداني الموحد.

إضافة إلى ذلك، تظل المعضلة اللوجستية وتحديات الصيانة والتسليح المتباينة تمثل عبئاً مالياً وتنظيمياً هائلاً؛ فالاعتماد على مدارس تسليح شرقية وغربية مختلفة يكبد الخزينة العامة تكاليف باهظة في توريد قطع الغيار وتوحيد الأنظمة القتالية، ناهيك عن الحاجة الملحة لتطوير المنظومات التكنولوجية الحديثة مثل الدفاع الجوي المتطور ومنظومات القيادة والسيطرة الإلكترونية التي تشكل عصب الجيوش المعاصرة.

التحديات العقائدية وتأثير التجاذبات السياسية

على الصعيد العقائدي والنفسي، تواجه القوات المسلحة تحدياً أخطر يتمثل في محاولات الاختراق الحزبي والولاءات الفرعية التي تهدد بروح العقيدة الوطنية الجامعة.

تتطلب صناعة الجندي المحترف عزلاً تاماً للمؤسسة العسكرية عن التجاذبات السياسية وصراعات النفوذ الحزبي، غير أن الواقع أحياناً يعكس ترسبات محاصصة تؤثر على آليات الترقي والتعيين وتضعف الاستقلالية المؤسسية. كما أن بناء عقيدة قتالية موحدة تتجاوز الانقسامات المجتمعية وتجعل الولاء المطلق للوطن ورايته وحدها، يستسقي وقتاً وجهداً استثنائياً في التثقيف والتدريب الإداري والقانوني داخل الوحدات العسكرية.

إن تجاوز هذه التحديات الهيكلية والعقائدية ليس أمراً مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة الدولة العليا فوق كل اعتبار، وتُخضع المؤسسة لمعايير الكفاءة المهنية الصارمة، ليغدو الجيش العراقي درعاً حصيناً قادراً على حماية السيادة والاضطلاع بمهامه الاستراتيجية بكفاءة واقتدار.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك