مخابرات تتجسس على المخابرات

الدكتورة سمية جمال حسني

في تاريخ الأنظمة السياسية والدول الحديثة، تظل أجهزة المخابرات هي العيون الشاخصة والأذرع الخفية لحماية الدولة وأمنها القومي من الأخطار الخارجية والداخلية. غير أن القراءة الدقيقة لمرحلة الستينيات في مصر، وتحديداً عقب انتكاسة الانفصال بين مصر وسوريا عام 1961، تكشف عن حالة فريدة واستثنائية من العبث السياسي والسيكولوجي؛ حالة أقدم فيها رأس الدولة—الرئيس جمال عبد الناصر—على تأسيس جهاز مراقبة سري متوازٍ ليقوم بالتجسس على جهاز المخابرات العامة الرسمي للدولة!

تفتح هذه الواقعة الباب أمام تساؤلات تاريخية ونفسية عميقة: ما الذي يدفع رئيساً يمسك بمقاليد السلطة المطلقة إلى عدم الثقة في رجال مخابراته؟ وهل كان تأسيس “التنظيم الطليعي” مجرد ضرورة سياسية حتمية لحماية الثورة، أم أنه كان تعبيراً عن حالة “بارانويا” هرمية وخوف مكتوم من مراكز القوى التي بدأت تبتلع الدولة من الداخل؟

1. مراكز القوى وشقاق الثنائي: عبد الناصر وعبد الحكيم عامر

لإدراك الجذور الحقيقية لهذه الخطوة، يجب التحديق في المعادلة الثنائية المعقدة التي حكمت مصر عقب حركة يوليو 1952؛ معادلة الشريكين: جمال عبد الناصر (صاحب القرار السياسي) والمشير عبد الحكيم عامر (المسيطر الفعلي على المؤسسة العسكرية).

مع بداية الستينيات، وتحديداً بعد إسناد إدارة جهاز المخابرات العامة إلى صلاح نصر، بدأ هذا الجهاز يتحول تدريجياً من مؤسسة أمنية وطنية لحماية البلاد، إلى مخلب أمني ومركز قوة يتبع مباشرة للجيش وللمشير عبد الحكيم عامر. استشعر عبد الناصر حقيقة صادمة: إن جهاز المخابرات الرسمية في البلاد لم يعد يدين بالولاء المطلق لرئيس الجمهورية، بل أصبح يدين بالولاء للقيادة العامة للقوات المسلحة!

في العرف السياسي والسيكولوجي، عندما يكتشف الحاكم أن أجهزته العسكرية والاستخباراتية قد شكلت “دولة داخل الدولة”، تتبدد مشاعر الأمان النفسي؛ فتصبح المخابرات الرسمية مصدر تهديد واستطلاع عليه هو شخصياً، بدلاً من أن تكون درعاً لحمايته.

2. عقدة الخوف والهروب للأمام: ولادة “التنظيم الطليعي”

أمام هذا التمدد المسرطَن لمراكز القوى، وجد عبد الناصر نفسه في موقفٍ تكتيكي معقد؛ فالصدام المباشر مع المشير صلاح نصر والمؤسسة العسكرية في ذلك التوقيت (عام 1962) كان يعني المخاطرة بانقلاب عسكري يُطيح به أو يُحدث انقساماً دموياً في جدار السلطة.

وبدلاً من الإقدام على عملية تطهير حاسمة ومباشرة للجهاز الإداري والأمني، لجأ عبد الناصر إلى استراتيجية الهروب للأمام وتأسيس أجهزة سريّة موازية. وفي هذا السياق ولد “التنظيم الطليعي” (أو الطليعة الاشتراكية)؛ وهو تنظيم سري مغلق تحت مظلة الاتحاد الاشتراكي، أُسندت إدارته لكوادر مقربة وموثوقة جداً من عبد الناصر (مثل شعراوي جمعة وسامي شرف وسامي علم).

لم تكن الوظيفة المعلنة للتنظيم هي التعبئة الأيديولوجية والسياسية فقط، بل كانت الوظيفة الحقيقية والغير معلنة هي بناء شبكة تجسس واستخبارات مضادة، مهامها كتابة التغشيات والتقارير الأسبوعية المباشرة لرئيس الجمهورية حول حركة الضباط، سلوكيات رجال صلاح نصر، وتفاعلات الشارع المصري!

3. عبثية المراقبة المزدوجة: “ده بيكتب تقرير في ده”

تحول المشهد السياسي في مصر خلال الستينيات إلى مسرحية سيكولوجية عبثية شديدة التعقيد والتداخل:

  • جهاز المخابرات العامة (صلاح نصر): يراقب المواطنين، الشخصيات العامة، الوزراء، ويرصد تحركات رجال عبد الناصر لحساب المشير.
  • التنظيم الطليعي (شعراوي جمعة وسامي شرف): يزرع المندوبين في مؤسسات الدولة، النقابات، والجيش للتجسس على رجال المخابرات العامة وعلى حاشية المشير!
  • المباحث العامة (الأمن الدولة لاحقاً): تلعب بين الطرفين وتحاول رفع كتاباتها الحساسة للرئيس مباشرة.

هذا الانقسام الأمني جعل الدولة تعيش في حالة من الشك الشامل والريبة المتبادلة؛ حيث بات الجميع يراقب الجميع، وتحولت المؤسسات الوطنية إلى ثكنات لكتابة التقارير السرية والتنصت على الهواتف. وصار الشارع المصري بأسره مكبلاً بقاعدة ذهبية واحدة اختزلت تلك المأساة: “الحيطان لها ودان”.

4. الفاتورة الباهظة: أزمة الثقة وانكشاف نكسة 1967

من المنظور الأكاديمي والتحليلي لبناء الأنظمة، أدى هذا العبث الاستخباراتي والمراقبة المزدوجة إلى تآكل مفهوم “المؤسسية” في مصر. لقد أهدر النظام السياسي طاقات هائلة في صراعات البقاء الداخلي، ومراقبة الرفاق، وتحصين الكراسي، على حساب الكفاءة العسكرية والجاهزية الوطنية.

وكانت النتيجة الحتمية لهذه البنية الأمنية الهشة والمفككة هي نكسة يونيو 1967؛ حيث اكتشف الجميع أن الأجهزة التي انشغلت لسنوات بتجهيز ملفات التنصت والمراقبة الداخلية للسياسيين والضباط، كانت عمياء كلياً أمام استطلاعات الخصم الخارجي ومخططاته.

إن تجربة “التنظيم الطليعي” ستظل شاهداً تاريخياً وسيكولوجياً على أن الحاكم الذي لا يثق بمؤسسات دولته الرسمية يلجأ لبناء ظلالٍ خلف الظلال؛ فتحت عنوان حماية الثورة والوطن، تحولت أجهزة الأمن إلى أدوات في صراع الأجنحة، لتثبت الأيام أن بناء الاستقرار الحقيقي لا يكون بالتجسس المضاد وإشاعة الخوف، بل بالشفافية، وسيادة القانون، وبناء مؤسسات وطنية تخضع للمحاسبة يدين أفرادها بالولاء للوطن وحده، لا للأشخاص أو المكاتب المغلقة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك