3 أيام في دهليز التحقيق بالمخابرات (الحلقة 5 )
بقلم: الجنرال عبد اللطيف نواس البلجي
ساعات المحاق: المواجهة الأخيرة وتهاوي اليقين الاستعماري
مع إطلالة صبيحة اليوم الثالث، بلغت المواجهة بين أجهزة الاستخبارات الفرنسية والإرادة الصلبة للمزارع الفيتنامي “نجوين” ذروتها المأساوية. في أدبيات التحقيق العسكري، تُعرف ساعات اليوم الثالث بـ “ساعات المحاق”؛ وهي المرحلة التي يستنفد فيها الجهاز الاستخباري كل ترسانته النفسية والبدنية، وتتجه فيها التجربة إما نحو الانهيار التام للمعتقل، أو نحو هزيمة غير معلنة للمحقق.
كان نجوين ملقى على الأرض الأسمنتية الباردة لزنزانته، جسده مثقل بالجراح ووجهه شاحب كرماد الحطب. لم تعد المشكلة بالنسبة للنقيب “دوبوا” مجرد الحصول على معلومات تكتيكية عن تحركات كتائب الـ “فيت مينه”، بل تحولت إلى مسألة “كرامة المؤسسة العسكرية”. كيف لفلاح أمي، يحمل في كفيه ندوب الفأس وطين الحقول، أن يصمد أمام منظومة أمنية عريقة صُممت لتفكيك أعتى الجواسيس؟
في تمام الساعة العاشرة صباحاً، أُعيد نجوين إلى الغرفة الأولى. أُزيلت الكشافات ذات الإضاءة الحارقة، وحُلّت السلاسل الثقيلة، ورُصّت على الطاولة الخشبية أطباق تحتوي على طعام دافئ وكوب من الماء النقي، إلى جانب وثيقة رسمية وقلم حبر.
استخدم دوبوا التكتيك الأخير في دليل “المكتب الثاني”: “صدمة الأمان الزائف والتسوية الأخيرة”.
جلس دوبوا بالقرب من نجوين، وتحدث بنبرة هادئة خالية من التهديد، مسكونة بتعبٍ شبيه بتعب المعتقل نفسه: “نجوين.. انتهت الحرب بالنسبة لك. هذه الورقة لا تطلب منك الخيانة، هي مجرد إقرار بأنك وافقت على الانتقال مع عائلتك إلى المنطقة الآمنة في الجنوب. وقّع هنا فقط، وستغادر هذا الدهليز فوراً إلى حياتك الجديدة”.
كانت هذه الخدعة أشد خطورة من كل جلسات التعذيب السابقة؛ فالإنسان الذي يصمد أمام الألم البشري القاسي، قد يتهاوى جدار دفاعه حين يُعرَض عليه الخروج الآمن والعودة للدفء الإنساني.
نظر نجوين إلى طبق الطعام، ثم إلى كوب الماء، واستحضر في ذهنه الصورة الكاملة. كان يعلم أن التوقيع على أي وثيقة يُسقط عنه صفة “المقاوم الصامت” ويحوله إلى أداة في يد السلطة الاستعمارية تُستخدم لكسر معنويات أبناء قريته.
رفع يده المرتجفة ببطء، وامتدت أصابعه نحو القلم. حبس الضابط دوبوا والملازم لاروش أنفاسهما، ظانّين أن حصن الصمت قد انهار أخيراً في اللحظة الأخيرة.
لكن نجوين لم يلمس القلم؛ بل دفعه ببطء نحو منتصف الطاولة، ثم أخذ كوب الماء، وسكبه كاملاً على الوثيقة الرسمية ليتمزق الحبر الأزرق وينحل في ألياف الورق!
نظر نجوين إلى النقيب دوبوا وقال بثباتٍ لم تهزه الساعات السبع والسبعون تحت الأرض: “إن من يشرب ماء الأرض يا سيدي.. لا يبيع طينها ببركة ماء مسمومة”.
ساد الغرفة صمتٌ مأساوي ذو ثقل رهيب. تراجع دوبوا إلى الخلف، وسقطت من وجهه كل أقنعة التفوق والسيطرة. لأول مرة منذ بداية التحقيق، لم يكن المحقق ينظر إلى نجوين بوصفه “متهمًا مهزوماً”، بل بوصفه رمزاً لجهنم إقليمية تُفتَح أبوابها ولن يستطيع الاستعمار إغلاقها.
أدرك ضباط المكتب الثاني أن الجسد المقيد أمامهم قد تجاوز حدود الخوف، وأن السلاح الوحيد المتبقي لديهم لم يعد مجدياً في إخضاع روحٍ حسمت خيارها بالكامل.
الجنرال عبد اللطيف نواس البلجي



إرسال التعليق