تقرير استخباراتي.. الحرب السرية بين مصر و السعودية قبل 60 عام
لبيد ب
تقرير استخباراتي.. صلاح نصر والحرب السرية على آل سعود: كيف حاولت المخابرات المصرية تفكيك المملكة من الداخل؟ وكيف أنقذتها الغباء السعودي من سيناريو أسود؟
مسرح العملية: اليمن، القاعدة الخلفية للهجوم على السعودية
في 26 سبتمبر 1962 انفجرت الثورة في اليمن وانقلب ضباط الجيش على الإمام محمد البدر وأعلنوا قيام الجمهورية العربية اليمنية لكن الإمام نجا من القصف وظهر بعد أسابيع وأعلن الجهاد ضد الجمهوريين……
جمال عبد الناصر أرسل في البداية سرية مشاة واحدة مكونة من مئة ضابط وجندي وكان يعتقد أن الأمر سينتهي في أسابيع لكن الإمام عاد والقبائل الزيدية التفّت حوله.
والجمهوريون بدأوا يخسرون الأرض فبدأت مصر ترسل المزيد وفي النهاية وصل عدد القوات المصرية في اليمن إلى سبعين ألف جندي أي ثلث الجيش المصري هذه أكبر حملة عسكرية في تاريخ مصر الحديث….
والهدف حسب الوثائق لم يكن اليمن وحده بل الهدف كان السعودية.
الاعتراف: “نستطيع الوصول إلى جدة في 24 ساعة”
في نوفمبر 1962 وفي مقال افتتاحي نشرته صحيفة “البوليتين” كتب الرئيس جمال عبد الناصر بالحرف: “إذا لزم الأمر، تستطيع القوات المصرية الوصول إلى جدة، ميناء السعودية، في 24 ساعة… ونستطيع إثارة المتاعب في كل أنحاء السعودية… حول جدة، وفي المنطقة الشرقية، وفي الشمال”.
وحسب مذكرات صلاح الدين الحديدي رئيس المخابرات العسكرية وقائد العمليات الأول في اليمن، فإن مصر “كانت تهدف بلا شك إلى تثبيت الوضع في اليمن ثم التقدم إلى المرحلة التالية الأكثر خطورة: إقامة وجود عسكري على الحدود اليمنية السعودية”. وأضاف أن هذا الوجود العسكري “كان على الأرجح أساس عملية 9000 هدفها النهائي، وربما دافعها الأول”.
بمعنى أوضح: اليمن لم يكن إلا المعبر والسعودية كانت الهدف.
العمليات الفعلية: القصف الجوي على الأراضي السعودية
الوثائق الأمريكية تكشف أن مصر لم تكتفِ بالتهديدات. في أوائل نوفمبر 1962، شنت الطائرات المصرية غارات على مخيمات الملكيين اليمنيين في محافظة نجران، على الحدود السعودية.
لكن القنابل لم تتوقف عند الحدود. أيضا القرى السعودية في منطقة جيزان تعرضت أيضاً للقصف. هذه الانتهاكات للأراضي السعودية استمرت طوال النصف الثاني من عام 1962 والنصف الأول من عام 1963….
في 3 أكتوبر 1962 أعلن عبد الناصر أن وجود مصر العسكري في اليمن يهدف إلى “حماية الحدود من محاولات الغزو الأجنبي” لكنه كان يصف قواته في نجران وجيزان، داخل السعودية.
شبكة المعارضين: الأسلحة التي عبرت الحدود
الوثائق التي نشرتها الإدارة الأمريكية لاحقا تكشف أن المخابرات المصرية تحت قيادة صلاح نصر، استخدمت اليمن كقاعدة لإسقاط الأسلحة في السعودية.
في 3 أكتوبر 1962 انشق طياران سعوديان إلى مصر، وحملا معهما طائرة محملة بالأسلحة كانت موجهة إلى قوات الإمام وفي 18 أكتوبر، عرض عبد الله السلال، رئيس الجمهورية اليمنية الجديد، أمام الصحفيين الأجانب في صنعاء 500 ألف ريال سعودي قائلاً إنها أُرسلت من السعودية لدعم القبائل الملكية في الشمال.
لكن الوثائق تشير إلى أن مصر كانت تفعل العكس تماماً: تمول المعارضين السعوديين الموجودين على الأراضي اليمنية.
وثائق وزارة الخارجية الأمريكية تكشف أن المخابرات المصرية بقيادة صلاح نصر، كانت تدير عمليات سرية مسلحة من اليمن خلال تلك الفترة.
الوثيقة رقم 61 من أرشيف العلاقات الخارجية الأمريكية الصادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية في 9 يونيو 1965 تقول بالحرف: “حملة إرهابية انطلقت من اليمن، لكن المخابرات المصرية هي التي تديرها”.
هذه الحملة لم تكن فقط ضد البريطانيين في عدن بل كانت أيضاً ضد السعوديين وهذه الوثيقة تكشف أن العملاء المصريين كانوا يدربون مجموعات تخريبية في اليمن، وأن هذه المجموعات كانت تعبر الحدود إلى السعودية لإحداث اضطرابات.
الأهداف الاستراتيجية: تفكيك المملكة
صلاح الدين الحديدي في مذكراته “شاهد عيان على حرب اليمن” 1984 يقول إن الهدف الاستراتيجي المصري كان “تثبيت الوضع في اليمن، ثم التقدم إلى المرحلة التالية الأكثر خطورة وهو إقامة وجود عسكري على الحدود اليمنية السعودية”.
لكن سامي شرف وزير شؤون الرئاسة في عهد عبد الناصر ذهب أبعد.
في مذكراته يكشف أن هناك من اقترح “توسيع الثورة اليمنية لتحرير كل إمارات الخليج” وهذا يعني أن الهدف لم يكن السعودية فقط بل كان الخليج كله.
عبد الناصر في خطاب في ديسمبر 1962 قال: “أولئك الذين يبسطون نفوذهم على قصور الرجعية في الرياض وعمان يحاولون الآن استعادة قصر الرجعية في القاهرة… هذه الحملة تحولت إلى مواجهة شاملة بين الأمة العربية وكل من يعتبرون أعداء القضية العربية”.
الرسالة كانت تؤكد ان الرياض جزء من “قصور الرجعية” وعبد الناصر كان يريد إسقاطها.
التخطيط: صلاح نصر يتلقى معلومات السعوديين أنفسهم
في مذكراته يعترف صلاح نصر بأن المخابرات السعودية كانت تراقب تحركات القوات المصرية ويقول: “المخابرات السعودية اعترضت تحركات القوات المصرية ما دفع فيصل إلى إرسال أفراد وأسلحة وموارد مالية لدعم أنصار الإمام”.
لكنه لا يقول إن هذه المعلومات كانت سبباً في تغيير الخطة المصرية، بل العكس صحيح كلما زاد الدعم السعودي للملكيين زاد عبد الناصر في إرسال القوات.
وهنا يصف روبرت كومر عضو مجلس الأمن القومي الأمريكي آنذاك هذه الحالة بقوله: “ناصر محاصر في اليمن وينزف دمه لكنه لا يستطيع تحمل خسارة الوجه في الانسحاب”.
الاعتراف الأخير: “اليمن كانت خطأ”
عبد الناصر نفسه في مقابلة مع صحيفة “التايمز” اللندنية في 5 مارس 1968 اعترف بأن التدخل في اليمن كان خطأ كبيراً وقال: “أرسلت سرية إلى اليمن واضطررت إلى تعزيزها بسبعين ألف جندي”.
لماذا كان خطأ؟ لأن المخابرات المصرية التي كان يديرها صلاح نصر لم تكن تعرف شيئاً عن اليمن.
صلاح نصر نفسه كتب في مذكراته: “اليمن كانت أرضاً مجهولة بالنسبة لنا”
المفارقة أن مصر أرسلت ثلث جيشها إلى بلد لم يكن لديها أي معلومات عنه.
كان صلاح نصر يشرف على العمليات الخارجية لكنه لم يكن يعرف الجغرافيا، ولا القبائل، ولا الاقتصاد، ولا الدين، ولا التكوين الاجتماعي لليمن.
كنز الفشل: كيف غرق صلاح نصر في الرمال؟
القوات المصرية في اليمن بلغت ذروتها في نهاية 1965: سبعون ألف جندي والتكلفة السنوية تتراوح بين سبعين ومئة وخمسين مليون دولار أي ما يعادل 2% من الناتج المحلي الإجمالي المصري و20% من ميزانية الدفاع.
وبحلول الأشهر الستة الأخيرة من 1963 وصل الدين الخارجي المصري إلى 220 مليون دولار…..
بدأت مصر تعاني من نقص في المواد الأساسية من الدقيق والقمح، والأرز، والذرة، واللحوم، ومنتجات الألبان واستهلكت مخزون الأدوية المحلي وظهرت ظاهرة المضاربة في الأدوية.
المفارقة الأكبر أن مصر، أكبر جيش في العالم العربي، لم تحقق نصراً حاسماً في اليمن.
وبعد عام من القتال، وصل الطرفان إلى طريق مسدود وتوسعت الحرب من جديد والسعودية زادت دعمها للملكيين.
صلاح نصر الرجل الذي أراد تفكيك السعودية، وجد نفسه محاصراً في حرب لم يكن يفهمها في بلد لم يكن يعرفه ضد تحالف إقليمي لم يكن يتوقعه……
الغباء السعودي: كيف فات الدرس؟
السؤال الأهم: هل تعلمت السعودية الدرس؟ الوثائق تكشف أن السعودية في البداية لم تفهم حجم الخطر.
لكن في أكتوبر 1962 كان عبد الناصر يرسل قواته بكثافة إلى اليمن بينما السعودية لم تكن ترسل سوى كميات صغيرة من الأسلحة للملكيين.
الأمير فيصل ولي العهد آنذاك أرسل رسائل إلى إدارة كينيدي يحثها على كبح جماح عبد الناصر لكن الرياض لم تكن تدرك أن الهدف الحقيقي ليس صنعاء بل الرياض نفسها.
أما سامي شرف في مذكراته فيقول إن عبد الناصر تحدث في اجتماعات داخلية بعد انفصال سوريا عن مصر عام 1961 عن أن “الحملة القادمة ستستهدف الرجعيين، خاصة سعود وحسين، وستكون حملة أيديولوجية”.
السعودية اكتشفت الخطر متأخراً وعندما اكتشفته بدأت ترسل المال والسلاح. وفي عام 1963 خصصت الرياض 15 مليون دولار لتسليح الملكيين واستقدمت مرتزقة أوروبيين وجلبت دعم باكستان وإيران.
لكنها بحسب الوثائق لم تفهم أن عبد الناصر كان يريد إسقاطها وكانت تظن أنه يريد مجرد إضعافها.



إرسال التعليق