تركيا وإسرائيل: العصر الذهبي للتعاون – الشراكة الاستراتيجية في التسعينيات
محمد عبد الكريم يوسف
الملخص
شهد عقد التسعينيات من القرن العشرين تحولاً جذرياً في العلاقات التركية الإسرائيلية، إذ انتقلت من
علاقات دبلوماسية واقتصادية محدودة إلى شراكة استراتيجية شاملة طالت المجالات العسكرية والأمنية
والاقتصادية والسياسية. وقد وُصفت هذه الحقبة بأنها “العصر الذهبي” أو “شهر العسل السياسي” في
العلاقات بين البلدين. يتناول هذا البحث تحليل ملامح هذه الشراكة الاستراتيجية، ودوافعها، وأبرز
اتفاقياتها، وانعكاساتها على البيئة الإقليمية، مستعرضاً العوامل الدولية والإقليمية التي هيأت المناخ الملائم
لقيام هذا التحالف، وفي مقدمتها انتهاء الحرب الباردة، وحرب الخليج الثانية عام 1991، وانطلاق عملية
السلام في الشرق الأوسط.
أولاً: المقدمة: الخلفية التاريخية للعلاقات التركية الإسرائيلية
تعود جذور العلاقات التركية الإسرائيلية إلى عام 1949، عندما أصبحت تركيا أول دولة ذات أغلبية
مسلمة تعترف بإسرائيل رسمياً. في البداية، اقتصرت العلاقات على مجالات التجارة والنقل، وشكّلت
شراكة لمواجهة النفوذ القومي العربي للجمهورية العربية المتحدة. وخلال خمسينيات القرن العشرين،
لعبت تركيا دوراً مهماً في عقيدة “التحالف المحيطي” التي ابتكرها رئيس الوزراء الإسرائيلي دافيد بن
غوريون، حيث تعاون البلدان ضد سوريا التي كانت عدواً مشتركاً.
لكن العلاقات الدبلوماسية شهدت فتوراً بعد حرب 1967، وتفاقم ذلك بعد أن أصدر الكنيست الإسرائيلي
قانون توحيد القدس عام 1980، مما دفع تركيا إلى خفض مستوى تمثيلها الدبلوماسي في إسرائيل.
واستمر هذا الجمود حتى مطلع التسعينيات، حيث مهدت متغيرات دولية وإقليمية لعودة التقارب بين
البلدين.
ثانياً: دوافع الشراكة الاستراتيجية في التسعينيات
- المتغيرات الدولية: نهاية الحرب الباردة وما بعدها
شكّل انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 وانتهاء حرب الخليج الثانية محطة مفصلية في إعادة تشكيل
البيئة الإقليمية. فمع تلاشي التهديد السوفيتي، وجدت تركيا نفسها بحاجة إلى إعادة تعريف دورها في
الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، عززت مؤتمر مدريد للسلام (أكتوبر 1991) وتوقيع اتفاقيات أوسلو
بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية (سبتمبر 1993) من إمكانية التقارب بين أنقرة والقدس. - التهديدات الأمنية المشتركة
كانت التهديدات الأمنية المشتركة المحرك الأساسي للتعاون الاستراتيجي. فبحلول عام 1994، لم تعد
تركيا تعيش أي وهم بأن الشرق الأوسط ما بعد حرب الخليج سيكون منطقة سلام. وبرزت سوريا وإيران
كعدوين مشتركين للبلدين، إذ اتهمتهما تركيا وإسرائيل برعاية منظمات إرهابية؛ حيث كانت سوريا تدعم
حزب العمال الكردستاني (PKK) الذي يشن حرباً ضد تركيا، في حين اتهمت إسرائيل سوريا وإيران
بدعم حركتي حماس وحزب الله.
وتشير الدراسات الأكاديمية إلى أن التوترات المتصاعدة بين تركيا وسوريا كانت العامل الرئيسي الذي
مكّن هذا المستوى من التعاون الاستراتيجي، حيث كان للبلدين نزاعات إقليمية مع دمشق.
- دور المؤسسة العسكرية التركية
طوال النصف الثاني من التسعينيات، ظلت المؤسسة العسكرية التركية تشرف على السياسة الخارجية
والدفاعية، والتي ظلت مرتبطة بقوة بالغرب. وقد لعبت النخبة العسكرية البيروقراطية التركية دوراً
محورياً في تأطير التهديدات – مثل PKK وسوريا وإيران والإسلام السياسي – باعتبارها تهديدات
وجودية للدولة الكمالية العلمانية، مما شرّع التحالف الاستثنائي مع إسرائيل بوصفها الشريك الديمقراطي
والعلماني والغربي الوحيد في المنطقة.
ولعل أبرز دليل على أهمية هذا التحالف هو أن رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان، عندما أبدى نية
التقارب مع إيران، أجبرته المؤسسة العسكرية على الاستقالة، مما أسفر عن تشكيل حكومة أكثر غربية.
ثالثاً: ملامح الشراكة الاستراتيجية
- الاتفاقيات العسكرية والأمنية
بلغ التحالف بين إسرائيل وتركيا ذروته في فبراير 1996 بتوقيع “اتفاقية التعاون العسكري والتدريب”
(MTCA)، التي نصت على التعاون بين جميع فروع القوات المسلحة التركية والإسرائيلية. وشملت
بنودها:
إجراء مناورات عسكرية مشتركة
بيع أنظمة أسلحة إسرائيلية متطورة لتركيا
تبادل المعلومات الاستخباراتية
نقل الخبرات العسكرية والتكنولوجية
زيارات متبادلة وحوار استراتيجي
تبع ذلك اتفاق ثانٍ في مجال الصناعات الدفاعية والبحث والتطوير ونقل التكنولوجيا، وإن ظلت تفاصيله
سرية حتى اليوم.
وبحلول نهاية عام 1998، بلغ إجمالي مبيعات الأسلحة الإسرائيلية لتركيا نحو مليار دولار. وشملت
الصفقات تحديث أسطول القوات الجوية التركية من طائرات F-4 وF-5، وبيع صواريخ “بوباي”
المتطورة.
كما شمل التعاون مناورات بحرية ثلاثية مشتركة بين إسرائيل وتركيا والولايات المتحدة، أُطلق عليها اسم
“ريليانت ميرميد” في يناير 1998، بهدف تعزيز التنسيق وقابلية التشغيل البيني بين القوات البحرية
للدول الثلاث.
- التعاون الاقتصادي والتجاري
شهدت العلاقات الاقتصادية ازدهاراً ملحوظاً خلال التسعينيات، حيث ارتفع حجم التبادل التجاري من نحو
90 مليون دولار عام 1989 إلى أكثر من 600 مليون دولار عام 1997. وبلغ هذا التعاون ذروته
بتوقيع اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين في 14 مارس 1996 في القدس، والتي دخلت حيز التنفيذ في 1
مايو 1997.
كما شمل التعاون الاقتصادي اتفاقية منع الازدواج الضريبي (1997) ومعاهدة الاستثمار الثنائي
(1998). وتأسس مجلس الأعمال التركي الإسرائيلي في 1 مارس 1993، مما عزز العلاقات
الاقتصادية الثنائية بشكل كبير. - التعاون في المجال المائي
شمل التعاون بين البلدين أيضاً المجال المائي خلال عقد التسعينيات، حيث سعت كل من إسرائيل وتركيا
إلى توظيف مصادر المياه كأداة للتعاون الإقليمي، وإن كانت لهذه السياسات تداعيات سلبية على دول
الجوار مثل سوريا والعراق. - التعاون الثقافي والسياحي
شهدت التسعينيات أيضاً ازدهاراً في العلاقات الثقافية والسياحية، حيث أصبحت تركيا الوجهة السياحية
الأولى للإسرائيليين منذ منتصف التسعينيات. وقد وصف البعض هذا العقد بأنه “العصر الذهبي” للعلاقات
التركية الإسرائيلية في جميع المجالات.
رابعاً: الانعكاسات الإقليمية للتحالف
أحدث التحالف التركي الإسرائيلي تغييراً جذرياً في الخريطة الاستراتيجية للشرق الأوسط. ونظرت الدول
العربية، وخاصة سوريا والعراق وإيران، إلى هذا التحالف بوصفه تهديداً استراتيجياً.
وفيما يتعلق بسوريا، وضعت المعاهدة العسكرية فبراير 1996 سوريا تحت ضغط كبير، وأسهمت في
نهاية المطاف في تقليص الدعم السوري لحزب العمال الكردستاني وطرد زعيمه عبد الله أوجلان من
الأراضي السورية.
كما شهد منتصف التسعينيات تأسيس تعاون عسكري رسمي بين الأردن وتركيا وإسرائيل. وفي مناورة
“ريليانت ميرميد” البحرية المشتركة عام 1998، أرسل الأردن مراقباً لحضور التمرين.
خامساً: نهاية العصر الذهبي وبداية التصعيد
انتهى “العصر الذهبي” للعلاقات التركية الإسرائيلية مع صعود حزب العدالة والتنمية في تركيا عام
2002، والذي أحدث تغييراً تدريجياً في السياسة الداخلية والخارجية التركية. ورغم أن العلاقات ظلت
محمية اقتصادياً نسبياً بعد عام 2000، إلا أنها شهدت أزمات سياسية متتالية.
بلغت العلاقات أدنى مستوياتها بعد عملية “الرصاص المصبوب” في قطاع غزة (2008-2009)،
وحادثة أسطول “مافي مرمرة” عام 2010 التي أسفرت عن مقتط تسعة نشطاء أتراك على يد القوات
الإسرائيلية، مما أدى إلى إنهاء الشراكة العسكرية.
وتشير الدراسات الأكاديمية إلى أن تحول العلاقات من شراكة استراتيجية في التسعينيات إلى تنافس
عدائي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين يمكن تفسيره من خلال نظرية “التأمين” في مدرسة
كوبنهاغن، حيث انتقل موضوع الأمن من سيادة الدولة إلى الهوية الجماعية والأمن المجتمعي.
خاتمة
يمثل عقد التسعينيات منعطفاً فريداً في تاريخ العلاقات التركية الإسرائيلية، حيث تحولت من علاقات
دبلوماسية محدودة إلى شراكة استراتيجية شاملة طالت المجالات العسكرية والأمنية والاقتصادية. وقد
مثلت نهاية الحرب الباردة، والتهديدات الأمنية المشتركة من سوريا وإيران، ودور المؤسسة العسكرية
التركية، الدوافع الأساسية لهذا التحالف. ورغم أن هذا “العصر الذهبي” لم يدم طويلاً، إلا أنه أعاد تشكيل
الخريطة الاستراتيجية للشرق الأوسط، وترك إرثاً معقداً لا يزال يؤثر في ديناميكيات العلاقات بين البلدين
حتى اليوم.



إرسال التعليق