المشاعر التي لا نراها… لكنها تصل إلينا
رشيد مصباح (فوزي)
هل يمكن لشخص لم يقل لك كلمة واحدة أن يتركك مثقلًـا طوال اليوم؟ وهل يمكن لإنسان آخر، بمجّرد أن تجلس معه، أن يجعلك تشعر براحة لا تعرف مصدرها؟
نعم، يحدث ذلك كثيرًا. بل لعلّنا جميعًا اختبرناه، لكننا لم نكن نملك الكلمات التي تفسّره.
قبل أن تدخل مصطلحات مثل «المشاعر السلبية» و«العدوى العاطفية» إلى قاموسنا اليومي، كنا نعيشها دون أن نسمّيها. كنا نقول ببساطة: «لا أرتاح لهذا الشخص»، أو «مجالسته تريحني»، أو «لا أدري ماذا يحدث لي بعد أن أجلس معه، لكنني أشعر بثقل».
كان الإحساس موجودًا، لكن اللغة التي تشرحه لم تكن موجودة بالوضوح الذي نعرفه اليوم.
أما اليوم، فقد جاءت وسائل المعرفة الحديثة، ثم وسائط التواصل الاجتماعي، لتضع أسماء ومفاهيم علمية على أشياء ظل الإنسان يشعر بها منذ زمن بعيد. وفجأة بدأنا نكتشف أن ما كنا نعتبره مجرّد «ارتياح» أو «نفور» قد يكون له تفسير نفسي، وأن الحالة التي يحملها شخص ما قد تترك أثرًا بليغا فيمن حوله.
لكن؛ إذا كنا قد عرفنا أخيرًا أن مشاعرنا تؤثّر في الآخرين، فلماذا ما زلنا نتعامل معها وكأنها شأن شخصي لا يعني أحدًا؟
بل لعل السؤال الأخطر والأهم هو:
ماذا لو كان بعض ما نعانيه نفسيًا ليس صادرًا من داخلنا وحدنا، وإنما وصل إلينا من أشخاص نعيش معهم، أو نلتقي بهم، أو نسمح لهم بالدخول إلى حياتنا؟
من هنا بدأتُ أتساءل: هل يوجد فعلًـا شيء اسمه «المشاعر السلبية»؟ ومتى بدأ علميًا الحديث عنها؟ وهل يمكن لمشاعر شخص أن تؤثر في شخص آخر؟ ولماذا لم نكن نسمع عن ذلك من قبل؟
ولذلك توجّهتُ بالسؤال إلى صديقتي الآلة الذكية.
فجاءني الجواب بما معناه أن المشاعر نفسها قديمة قدم الإنسان، وأن الحزن والخوف والغضب والقلق وغيرها كانت موضوعًا للتأمل والدراسة منذ زمن بعيد، لكن التصنيف العلمي الحديث للعواطف، وخصوصًا تقسيمها وفق أبعاد مثل كونها مريحة أو مزعجة، تطور بصورة واضحة خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
ومن المحطات المهمة في هذا السياق أعمال الباحثين واتسون وتيلغن في ثمانينيات القرن الماضي، ثم تطوير مقاييس أكثر تنظيمًا لدراسة الانفعالات، مثل مقياس PANAS.
أي أننا لم نكتشف «المشاعر السلبية» في ذلك الوقت، وإنما بدأنا نمتلك لغة علمية أكثر دقة لوصفها ودراسة آثارها.
وهذا التفريق مهم.
فالحزن لم يولد سنة 1985، والغضب لم ينتظر علم النفس الحديث حتى يظهر، والخوف لم يكن مجهولًـا لأسلافنا.
الذي تغيّر هو طريقة فهمنا لهذه المشاعر وتسميتها وقياسها.
فالمشاعر ليست مجرد حالة داخلية نعيشها ثم تنتهي. نحن كائنات اجتماعية، وما يصدر عنا من نبرة صوت، وتعابير وجه، وحركات، وطريقة كلام، وحتى مناخنا النفسي العام، قد يترك أثرًا فيمن يعيش معنا أو يحتك بنا.
ولهذا ظهر في علم النفس الحديث مفهوم «العدوى العاطفية» (Emotional Contagion)، الذي يشير إلى إمكانية انتقال الحالات الانفعالية بين الأشخاص، بصورة واعية أحيانًا وغير واعية أحيانًا أخرى.
فالشخص الغاضب قد يجعل من حوله أكثر توتّرًا، والشخص المتشائم قد ينقل شيئًا من تشاؤمه إلى محيطه، بينما يستطيع الشخص الهادئ والمطمئن أن يخلق جوًّا مختلفًا تمامًا من حوله.
وليس المقصود بهذا أن مشاعرنا تنتقل إلى الآخرين كما تنتقل العدوى الجسدية، ولا أن كل حزن نشعر به سيُمرض من حولنا. المسألة أكثر تعقيدًا، وتتأثّر بطبيعة العلاقة، ومدة الاحتكاك، وشدة الانفعال، والسياق الذي يحدث فيه.
لكن الأثر النفسي والاجتماعي للمناخ العاطفي المحيط بنا ليس أمرًا يمكن تجاهله.
والغريب أننا، رغم معرفتنا المتزايدة بهذه الأمور، ما زلنا نستهين أحيانًا بخطورة المناخ النفسي الذي نعيش فيه.
قد ننتبه إلى الطعام الذي نتناوله، والماء الذي نشربه، والهواء الذي نتنفّسه، ونحرص على أجسادنا، ثم نسمح لأيّ شخص بأن يملأ يومنا بالغضب والتشاؤم والإهانة والشكوى والتوتر!
لماذا؟
ربما لأن ثقافة الصحّة النفسيّة ما تزال أقل حضورًا في حياتنا من ثقافة الصحّة الجسديّة.
وقد يكون في تراثنا الدِّيني ما يلفت انتباهنا إلى هذه الحقيقة منذ زمن بعيد، وإن لم يستخدم المصطلحات العلمية الحديثة.
ألم يقل النبي ﷺ:
«المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»؟
فالصاحب ليس مجرّد شخص نجلس معه وننصرف عنه. الصحبة تترك أثرًا، والإنسان يتأثّر بمن يكثر مخالطتهم، في أفكارهم وعاداتهم وطريقة نظرهم إلى الحياة.
ومن هنا نفهم أيضًا لماذا يقال:
«الصاحب ساحب».
فبعض الناس يأخذونك إلى الأعلى دون أن تشعر، وبعضهم يسحبونك إلى الأسفل وأنت تظن أنك ما زلت واقفًا في مكانك.
ولعل أخطر ما في «المشاعر السلبية» أنها لا تأتي في صورة واضحة.
قد لا يصرخ الشخص في وجهك، ولا يشتمك، ولا يؤذيك بصورة مباشرة، لكنه قد يجعلك، بمجرّد الجلوس معه، تشعر بأن الحياة كلها مشكلة، وأن الناس جميعًا سيّئون، وأن المستقبل مظلم، وأن لا شيء يستحق المحاولة.
وبالمقابل، هناك أشخاص لا يقدّمون لك شيئًا ماديًّا ملموسا، لكنك تخرج من عندهم أخفَّ نفسًا وأكثر قدرة على مواجهة الحياة.
فأيُّ أثر نتركه نحن في الآخرين؟
هذا السؤال أهم من السؤال عن الآخرين.
لأننا جميعًا قد نكون، في لحظة ما، ذلك الشخص الذي نشكو منه.
قد نكون نحن مصدر التوتّر في بيتنا، أو مصدر التشاؤم في محيطنا، أو الشخص الذي يثقل على الآخرين بشكواه الدائمة، ثم نتساءل باستغراب: لماذا يبتعدون عنا؟
ولذلك، فإن الوعي بالمشاعر لا ينبغي أن يتحوّل إلى وسيلة لمراقبة الآخرين أو اتهامهم بأنهم «سلبيون»، بل إلى مناسبة لمراجعة أنفسنا.
فكما أننا نملك مسؤولية عما نقوله، ونفعله، ونكتبه، فإن لنا أيضًا مسؤولية عن المناخ النفسي الذي نصنعه حولنا.
قد لا نستطيع أن نمنع الحزن من دخول حياتنا، ولا الغضب من المرور بنا، ولا القلق من طرق أبوابنا.
لكننا نستطيع، على الأقل، ألّـا نجعل من مشاعرنا الثقيلة عبئًا على الآخرين.
وربما كانت الحكمة القديمة أسبق من المصطلح الحديث:
اختر من تجالس، واختر ما تسمح له بأن يستقر في نفسك، وانتبه أيضًا لما تتركه أنت في نفوس الآخرين.


إرسال التعليق