من ضعف البداية إلى غرور النهاية

رشيد مصباح (فوزي)

يُروى عن أحد الصالحين أنه قال:

«لو كان للذنوب ريح، ما قدرتم أن تدنوا مني من نتن ريحي.»

تأملوا هذا التواضع العجيب. رجل يرى نفسه، أمام أخطائه وذنوبه، على هذا القدر من الضعف والانكسار، ولا يجد في الاعتراف بنقصه انتقاصًا من قدره.

أما نحن اليوم، فحدّث ولا حرج.

حين يتذكّر الإنسان ما اقترفه، وما كان ينبغي أن يفعله ولم يفعله، قد يشعر بالخزي والندم. وقد يقف للحظات أمام نفسه مجرّدًا من كل الأقنعة. لكنه ما إن تمضي تلك اللحظات حتى يعود إلى عادته القديمة، وينسى ما أحس به، وكأن شيئًا لم يكن.

وما أغرب الإنسان حين يحاول أن ينكر بشريته!

فالخطأ، كما يقول المثل الفرنسي: «L’erreur est humaine.»

لكن الإصرار على الخطأ، بعد معرفته، شيء آخر.

من منا لم يخطئ؟

ومن منا لم يقل كلمة في غير موضعها، أو يتّخذ قرارًا ندم عليه، أو يظلم إنسانًا، أو يسكت حين كان ينبغي له أن يتكلّم؟

الفرق ليس في أن يخطئ الإنسان أو لا يخطئ؛ فالخطأ جزء من بشريتنا. الفرق في أن يمتلك الشجاعة ليقول: ”أخطأتُ“.

وهذه الكلمة الصغيرة قد تكون أثقل على النفس من خطأ كبير.

في هذا الزمن، أصبح الاعتراف بالخطأ نادرًا، بينما أصبح تبريره شائعًا. والأغرب أن الذين يجدون في أنفسهم شجاعة الاعتراف غالبًا ما يكونون من البسطاء الذين لا يخافون على صورة مصطنعة صنعوها لأنفسهم أمام الناس.

أما بعض من تصنّفهم المجتمعات في خانة النُّخب، أو الوعّاظ، أو الأعيان والوجهاء… فقد يصبح الاعتراف بالخطأ عندهم تهديدًا للمكانة والصورة والهيبة.

وكأن الإنسان، كلما ارتفع في أعين الناس، أصبح أقل قدرة على أن يقول:

”نعم، أخطأتُ، وأين هي المشكلة يعني؟“

وإذا كان الاعتراف بالخطأ من شرف النفس، لأنه يتطلّب مواجهة الذّات والهوى، فإن إنكار الحق بعد ظهوره ليس قوّة، بل ضعف من نوع آخر.

لقد تغيّرت كثير من المفاهيم في زماننا؛

صار التواضع عند معظم الناس علامة ضعف، وأصبح الكبرياء يُقدَّم في صورة الشهامة والمروءة. وأصبح بعض الناس يريدون من الدِّين أن يبرّر أهواءهم، لا أن يهذّبها.

ثم مشى كثيرون في هذا الطريق المعوج.. حتى أصبح الرجوع إلى الأصل يحتاج إلى شجاعة.

ولعل الإنسان لو تذكّر حقيقته الأولى والأخيرة، لما وجد في نفسه متّسعًا لكل هذا الغرور.

يُنسب إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قول بليغ في تذكير الإنسان بأصله ومصيره:

«أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وفيما بينهما يحمل العذرة.»

ومعنى العبارة، في بساطتها الصادمة، أن الإنسان مهما بلغ من القوة والجاه والمكانة، فإن أصله ضعيف، ونهايته فناء، وحياته نفسها مرتبطة بحاجات جسده وضعفه.

وتُنسب إليه أيضًا عبارات أخرى في هذا المعنى، منها:

«تؤلمه البقّة، وتقتله الشرقة، وتنتنه العرقة.»

فحشرة صغيرة قد تؤلمه، وشرقة عابرة قد تهلكه، وعرقه الذي يخرج من جسده قد يصبح مصدرًا للرائحة إن لم يتنظّف.

أيُّ إنسان هذا الذي يتكبّر، وهو بهذه الهشاشة؟

وأيُّ مخلوق هذا الذي يرى نفسه فوق النصح والمراجعة والاعتراف؟

وقد قال الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾.

ليست هذه الآية دعوة إلى احتقار الإنسان، وإنما تذكير له بحقيقته؛ حتى لا يتحوّل ما أُوتي من قوّة أو علم أو مال أو سلطة إلى وهم بالعصمة.

ولو سُمح لنا أن نسأل الملوك والرؤساء والوزراء، وكل من يملك سلطة أو جاهًا أو مكانة:

هل أنتم بشر مثلنا؟

لقالوا:

بلى.

فنقول:

فلماذا إذن لا تعترفون بأخطائكم كما يعترف البشر؟

هنا لا تكون المشكلة في الخطأ وحده، وإنما في تلك الكبرياء التي تجعل الاعتراف به أمرًا مستحيلًـا.

لكن المشكلة الأكبر ليست في أصحاب الكبرياء أنفسهم، بل في الذين يصفقون لهم ولكل كلمة يقولونها، ويبرّرون لهم كل خأٍ يخطئونه.

هؤلاء هم الذين يجعلون المتكبّر أكثر اقتناعًا بأنه لا يخطئ.

وقديمًا كان الإنسان يحتاج إلى أتباع كي يحاط بالمتملّقين، أما اليوم فقد أصبحت وسائل التواصل قادرة على صناعة جمهور كامل من المبرّرين، حتى يصبح الباطل، بكثرة المصفّقين له، شبيهًا بالحق.

ويصدق في أمثال هؤلاء قوله تعالى: : ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾.

ومن المؤلم أن ترى بعض من يتصدّرون للوعظ لا يقتربون من المنكرات التي تحتاج إلى كلمة حق، بينما ينشغلون بتفاصيل صغيرة لا تزعج أحدًا ولا تكلّف صاحبها شيئًا؛ يتحدّثون عن صحة الوضوء، وحرمة المكان، وهيئة المظهر، لكنهم يتجنّبون الأسئلة التي قد تجعل المنبر ثقيلًـا على صاحبه.

وترى بعض من نطلق عليهم اسم «النخبة» يتنقّلون بين المنابر الإعلامية ومواقع التواصل، يتحدّثون كثيرًا، ويحلّلون كل شيء، لكنهم حين تأتي اللحظة التي تحتاج إلى كلمة حق صريحة، يصبح الصمت أكثر راحة.

ليس المطلوب من الإنسان أن يكون معصومًا.. ولا المطلوب أن يكون عالمًا بكل شيء.. ولا أن يدّعي الشجاعة في كل موقف… المطلوب أن يبقى إنسانًا فحسب.

وأن يعرف أن له نصيبًا من الخطأ، وأن يعترف به حين يكتشفه، وأن يعتذر حين يظلم، وأن يتراجع حين يتبيّن له أنه كان على غير صواب.

فما أجمل الإنسان حين ينتصر على كبريائه!

ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله المرء في نهاية كل يوم أن يجلس قليلًـا مع نفسه، بعيدًا عن تصفيق الناس ومديحهم، ويسألها سؤالًا بسيطًا:

أين أخطأت اليوم؟

فقد تكون هذه الجملة الصغيرة بداية الطريق إلى إنسان أكثر تواضعًا، ومجتمع أكثر صدقًا، ودين لا تحكمه الأهواء.

لأن الإنسان لا يصبح كبيرًا حين لا يخطئ…

بل حين تكون لديه شجاعة الاعتراف بأنه أخطأ.

إرسال التعليق