بين واشنطن وغرينلاند : العالم يدخل عصر الجغرافيا المتحركة
د. حسام وليد البدري
لم يعد السؤال الأكثر أهمية في العلاقات الدولية: من حليف مَن؟ بل: إلى متى تبقى وظيفة هذا التحالف متطابقة مع المصلحة الوطنية؟
هذه ليست لعبة لغوية، بل واحدة من أهم سمات التحول الجيوستراتيجي الراهن. فالنظام الدولي يتحرك من التحالفات المؤسسية الصلبة إلى ما يمكن تسميته بـ«السيولة الاصطفافية»؛ حيث تبقى المعاهدات قائمة، لكن المصالح تعيد تحديد مضمونها وحدودها باستمرار.
وما جرى بين الولايات المتحدة والدنمارك حول غرينلاند نموذج كاشف.
الدنمارك عضو مؤسس في الناتو وحليف تاريخي لواشنطن، ومع ذلك لم تمنع هذه البنية التحالفية الولايات المتحدة من الضغط باتجاه توسيع نفوذها في غرينلاند، بسبب موقع الجزيرة في معادلات القطب الشمالي والدفاع الصاروخي والمنافسة مع روسيا والصين. وبعد توتر وصل إلى حديث أمريكي عن السيطرة على الجزيرة، انتهت الأزمة إلى تفاهم أمني يوسع الحضور الأمريكي مع بقاء السيادة ضمن المملكة الدنماركية وحق الغرينلانديين في تقرير المصير.
الدلالة هنا أعمق من غرينلاند.
الجغرافيا بدأت تستعيد تفوقها على الأيديولوجيا.
فعندما ترتفع القيمة الاستراتيجية لمكان ما، يمكن للدولة العظمى أن تعيد تعريف علاقتها حتى مع حليفها. وعندما تتراجع القيمة الوظيفية لحليف آخر، لا تختفي العلاقة بالضرورة، وإنما يعاد تسعيرها.
والشرق الأوسط اليوم هو المختبر الأكثر كثافة لهذه الظاهرة.
فهرمز وباب المندب لم يعودا مجرد ممرين بحريين؛ لقد أصبحا أداتين لإعادة توزيع القيمة الاستراتيجية للدول. عندما يضطرب هرمز ترتفع أهمية البحر الأحمر، وعندما يصبح باب المندب بدوره ساحة تهديد، ترتفع قيمة الأنابيب والموانئ والطرق البرية والقوى القادرة على حمايتها. أي أن كل أزمة لا تغير أسعار الطاقة فقط، بل تعيد إنتاج التحالفات المحيطة بها.
ومن هنا يمكن قراءة التقارب الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان. الرياض لا تستبدل الولايات المتحدة بتركيا أو باكستان، وأنقرة لا تغادر الناتو، وإسلام آباد لا تنتقل ببساطة إلى محور شرق أوسطي جديد. ما يحدث أقرب إلى تنويع محافظ الأمن القومي: الدولة تحتفظ بالحليف التقليدي، لكنها تضيف إليه ضمانات ومسارات وشركاء كي تخفض كلفة الارتهان لضامن واحد.
وهذا تحول مهم؛ لأن الدولة في النظام الجديد قد تكون حليفًا لواشنطن أمنيًا، وشريكًا لبكين اقتصاديًا، ومتعاونة مع موسكو في ملف، ومع أنقرة أو إسلام آباد في ملف آخر، من دون أن ترى تناقضًا في ذلك.
العراق وسوريا يكشفان الوجه الآخر للتحول نفسه.
العراق يحاول إعادة تعريف موقعه بين إيران والولايات المتحدة والعالم العربي وتركيا، فيما تصبح مسألة الفصائل المسلحة جزءًا من سؤال أكبر يتعلق بمن يحتكر قرار الدولة وحدود امتداد القوى الخارجية داخلها. أما سوريا، فلم تعد قيمتها محصورة في كونها حلقة ضمن الامتداد الإيراني إلى المتوسط؛ موقعها يمكن أن يعاد تسعيره وفق الأمن التركي، والحسابات الإسرائيلية، والاتصال بالعراق، والممرات الاقتصادية والطاقة وإعادة تشكيل المشرق.
حتى إسرائيل تواجه معادلة جديدة. فالتفوق العسكري يمكنه تدمير قدرات خصم، لكنه لا يمنح صاحبه بالضرورة القدرة المنفردة على هندسة البيئة التي تظهر بعد تدمير تلك القدرات. وكل انكماش للنفوذ الإيراني يفتح فراغًا يتنافس على ملئه لاعبون آخرون: تركيا، دول الخليج، قوى محلية، الولايات المتحدة، وربما الصين اقتصاديًا.
ومن هنا يجب قراءة إيران.
الخطأ هو اختزال علاقة طهران بموسكو وبكين في سؤال: هل ستقفان معها أم تتخليان عنها؟
روسيا والصين لا تحتاجان إلى «التخلي» عن إيران. ما تحتاجان إليه هو تحديد الوظيفة التي يجب أن تؤديها إيران داخل توازن دولي أكبر.
الصين تصف إيران بالشريك الاستراتيجي، لكنها تحتاج في الوقت ذاته إلى أمن الطاقة واستقرار الممرات البحرية. وهنا تظهر مفارقة هرمز وباب المندب: الأداة التي تمنح طهران قدرة ردع تجاه واشنطن قد تتحول، عندما تهدد حركة الطاقة والتجارة، إلى تكلفة على بكين نفسها.
وهذا يعني أن الصين تستطيع الدفاع عن إيران سياسيًا، لكنها ليست مضطرة إلى الدفاع عن كل الوظائف الجيوسياسية للقوة الإيرانية.
أما روسيا، فالمعادلة مختلفة ولكنها تقود إلى النتيجة ذاتها. انهيار إيران قد يوسع المجال الاستراتيجي الأمريكي باتجاه جنوب روسيا والقوقاز وآسيا الوسطى، لكن إيران شديدة القوة والمستقلة استراتيجيًا ليست بالضرورة الوضع المثالي لموسكو أيضًا، خصوصًا مع تقاطع مصالح الطرفين في الطاقة والقوقاز وبحر قزوين.
وهنا نصل إلى مفهوم يمكن تسميته «فصل الحليف عن قضيته».
قد تدافع دولة كبرى عن بقاء حليفها، لكنها لا تدافع بالضرورة عن جميع أهدافه. وقد تحميه دبلوماسيًا بينما تتفاوض مع خصمه حول النظام الذي سيعيش داخله.
بهذا المعنى، لا تصبح إيران استثناءً، بل مثالًا على قاعدة جديدة.
أمريكا نفسها تستطيع الضغط على حليف أطلسي عندما تصبح غرينلاند أكثر أهمية في حساباتها. والصين تستطيع حماية إيران سياسيًا وفي الوقت نفسه حماية تدفقات الطاقة من نتائج القوة الإيرانية. وروسيا تستطيع منع سقوط طهران، من دون أن تتطابق مصالحها مع نشوء قطب إيراني مستقل بالكامل.
والسعودية تستطيع توسيع خياراتها مع تركيا وباكستان والصين من دون قطع مظلتها الأمريكية. وتركيا تستطيع البقاء في الناتو، والتحرك باستقلالية في سوريا، وبناء مصالح مع الخليج، والتعامل مع روسيا، من دون أن ترى نفسها ملزمة بمنطق المعسكر الواحد.
لذلك ربما نحن أمام انتقال من «تحالفات الهوية» إلى «تحالفات الوظيفة».
بل إن الأدق هو أننا أمام هندسة للتحوط الاستراتيجي: الدول لم تعد تبحث فقط عن حليف يحميها، وإنما عن شبكة علاقات تجعل تكلفة تخلي أي حليف عنها قابلة للاحتمال.
وهنا يصبح السؤال الإيراني مختلفًا تمامًا.
ليس: هل «ضحّت» روسيا والصين بإيران؟
بل: هل تغيرت الوظيفة التي تحتاجان إيران من أجلها؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد تحميان الدولة الإيرانية من الانهيار، وفي الوقت نفسه تقبلان بتقليص فائض قوتها الإقليمية، وفصل العراق واليمن ولبنان وهرمز عن منظومة استراتيجية إيرانية واحدة.
وعندها يصبح باب المندب وهرمز والعراق وسوريا أجزاء من السؤال نفسه: هل تستطيع إيران الاحتفاظ بمنظومة مترابطة من النفوذ، أم تتحول هذه المساحات إلى أسواق استراتيجية مستقلة تتفاوض فيها تركيا والسعودية وإسرائيل وباكستان والقوى الكبرى كلٌ وفق مصلحته؟
عندها لا نكون أمام صفقة على إيران، بل أمام ظاهرة أوسع: إعادة تسعير الدول داخل سوق القوة العالمي.
غرينلاند مهمة لأنها تكشف أن الحليف الأطلسي نفسه ليس خارج حسابات الجغرافيا. وإيران مهمة لأنها تكشف أن الشريك الاستراتيجي ليس خارج حسابات الكلفة. وهرمز وباب المندب يثبتان أن ممرًا بحريًا صغيرًا قد يعيد تسعير تحالفات قارات بأكملها.
في النظام الذي يتشكل، لا توجد صداقات مجانية ولا خصومات مطلقة.
هناك جغرافيا، وممرات، وطاقة، وقواعد عسكرية، وأسواق، وسلاسل إمداد، وتحوطات أمنية؛ ثم تأتي التحالفات لتأخذ شكلها حولها.
ولهذا ربما لا يكون العالم أمام تبدل في التحالفات فقط، بل أمام تبدل في معنى التحالف ذاته:
الدول العظمى لا تسأل أولًا: من معنا؟
بل تسأل السؤال الأكثر برودة:
ما الذي نحتاجه منه الآن، وما الثمن الذي سندفعه كي يبقى مفيدًا غدًا؟



إرسال التعليق