السنّة والشيعة وقود حرب الإمبراطوريات..إيران أداة الصين وروسيا في مواجهة أميركا
إيران، بوصفها مركز الثقل السياسي والعسكري في العالم الشيعي، ليست مجرد خصم إقليمي للولايات المتحدة وإسرائيل، بل تمثل رأس الحربة المتقدمة للمحور الصيني–الروسي في مواجهة الهيمنة الأميركية وحلف الناتو. ومن دون وضع الصراع داخل هذه المعادلة الكبرى، ستبدو حروب المنطقة أحداثًا منفصلة، بينما هي في حقيقتها جبهات مترابطة في صراع دولي واحد.
لقد انتقلت الاستراتيجية الأميركية من الحرب المعلنة على الإرهاب السنّي إلى احتواء بعض تنظيماته وتدجينها، ثم إعادة توظيفها في مواجهة إيران ومحورها الشيعي. وهكذا يجري دفع التطرف السنّي والتطرف الشيعي إلى التصادم، لا بوصفهما قوتين مستقلتين، بل أداتين ضمن مواجهة تديرها القوى الكبرى من الخلف. نحن عمليًا أمام حرب مذهبية تحرّكها واشنطن من جهة، وبكين وموسكو من جهة أخرى، بينما يُسوَّق الصراع باعتباره مواجهة محدودة بين أميركا وإسرائيل وإيران وأدواتها، لإخفاء بنيته الدولية وخطره الكارثي.
وفي هذا السياق، لم يكن التقارب الاستراتيجي بين السعودية وباكستان وتركيا، ثم إدخال مصر في هذه الترتيبات، اعتباطيًا؛ فهو يجمع دولًا سنّية محورية تحت ضغط أميركي، يُراد منه تشكيل جبهة موازية للمحور الشيعي الذي تقوده إيران. لكننا لسنا أمام استعادة تلقائية للصراع السنّي–الشيعي الموروث من التاريخ الإسلامي، بل أمام قوى دولية تستخرج ذلك الانقسام من أعماق المنطقة، وتعيد تسليحه وتوظيفه لخدمة مصالحها الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
وضمن المعادلة ذاتها، لا يبدو تسليم أفغانستان لطالبان مجرد انسحاب أميركي مرتبك، ولا وصول تنظيم سنّي متطرف إلى حكم سوريا تطورًا داخليًا عفويًا. ففي الحالتين، جرى تثبيت سلطتين عقائديتين على تخوم المجالين الصيني والروسي، بما يسمح لواشنطن بتحويل التطرف الذي حاربته بالأمس إلى حزام ضغط جيوسياسي تستخدمه اليوم.
ومن هنا، لا يمكن فصل الاهتمام الأميركي المتزايد بسوريا عن الصراع الأوسع مع إيران ومحورها. فدعوة أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة للمرة الثالثة خلال أقل من عامين، بعد إخراجه من عباءة تنظيم مصنّف إرهابيًا وإدخاله إلى أحضان واشنطن، لا تعكس ثقل حكومته الانتقالية ولا مكانة سوريا، بقدر ما تكشف عن إعادة تأهيله وتطويعه لخدمة الاستراتيجية الأميركية. فواشنطن تعمل على تمتين الجبهة السنّية، وجعل سوريا إحدى ركائزها في مواجهة إيران وأذرعها المنتشرة في العراق ولبنان، باعتبار طهران الأداة المتقدمة للصين وروسيا في المنطقة. وبذلك لا يُستضاف الشرع لقوته الذاتية، بل للدور الوظيفي الذي أُعدّ له في حرب الإمبراطوريات المقبلة.
وقد أدركت موسكو وبكين معنى هذا التحول، فدفعتا بثقلهما خلف إيران، بينما حرّكت طهران حماس وأذرعها الأخرى لتفجير الجبهة المقابلة وإعادة خلط الحسابات الأميركية والإسرائيلية.
ومن الصعب أيضًا التسليم بأن إيران استطاعت، بإمكاناتها الذاتية وحدها، تجاوز منظومات الرصد والدفاع الأميركية والإسرائيلية المتطورة وإصابة مواقع شديدة التحصين. والأرجح أن وراء ذلك إسنادًا تقنيًا واستخباراتيًا روسيًا أو صينيًا غير معلن؛ فالقوى الكبرى تفضّل اختبار أسلحتها واستراتيجياتها بواسطة الوكلاء، بعيدًا عن المواجهة المباشرة التي قد تشعل حربًا عالمية.
ما يجري، إذن، ليس صراعًا سنّيًا–شيعيًا نابعًا من الماضي بقدر ما هو صراع بين إمبراطوريات كبرى تستخدم التآكل الداخلي في العالم الإسلامي سلاحًا لإضعاف خصومها وتوسيع نفوذها. فالسنّة والشيعة يتحولون إلى أدوات، وإسرائيل وإيران إلى واجهتين، بينما تدير أميركا والصين وروسيا المواجهة من خلفهما. وفي النهاية، ستكون شعوب الشرق الأوسط حطب هذه الحرب الاقتصادية والسياسية والعسكرية؛ تقاتل تحت راياتها المذهبية، وتموت من أجل مصالح إمبراطوريات لا ترى فيها سوى ساحات نفوذ ووقود للصراع.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأميركية



إرسال التعليق