فنجان قهوة افتراضية …مع الداعية الهمام دريد إبراهيم الموصلي

مع الداعية الهمام دريد إبراهيم الموصلي بمقهى الماسنجر الثقافي

  • بدأت رحلتي مع الإسلام عام 1992م وقد وجدت فيه وطنا للقلب ومعنى للحياة ونورا للطريق وربا رحيما أرجو أن ألقاه وهو راض عني وهذا عندي أعظم ما يمكن أن يجده إنسان في رحلة عمره.

*أتعامل مع الكتابة بوصفها مسؤولية قبل أن تكون إنتاجا وكتبي الإلكترونية متاحة مجانا راجيا ألا تكون ملكا شخصيا أحرسه وإنما صدقة جارية وعلماً يَنتفع به الناس.

  • حين أسلمت ربحت محمدا ﷺ ولم أخسر المسيح عليه السلام ..لم يطلب مني الإسلام أن أمحو اسم المسيح من قلبي ولم يطلب مني أن أسخر منه أو أتنكر له أو أسيء إليه بل فتحت القرآن فوجدت عيسى ابن مريم عليه السلام أمامي.

حاوره: أحمد الحاج مكتبجي

عندما عقدت العزم قبل(25) عاما خلت متوكلا على الباري عز وجل للبدء بمشروع ثقافي ودعوي يتضمن جمع كل ما يقع عليه بصري،واحصاء ما يتنامى الى سمعي، والإحاطة بتفاصيل ما يتناهى إليه علمي من درر وشذرات وقطوف عبقة تتمحور حول قصص استثنائية ملهمة لمسلمين جدد من خلال البحث المشفوع بالتقصي الدؤوب على مكث وتؤدة مع المتابعة الحثيثة عن كثب للاحاطة بمدى موثوقية المصادر، ومصداقية النقلة ،وبما يخدم المشروع ويحصنه من الزلل ليرتقي به الى أفق أرحب،فقد ذهلت بكم لا يحصى من أعلام ومشاهير وعلماء وأدباء وأكاديميين ومفكرين وفنانين ورياضيين ومن مختلف الجنسيات في شتى أصقاع المعمورة وقد أشهروا إسلامهم عن قناعة تامة ولم يكتفوا بذلك بل كان لهم دور فاعل في الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة من غير ابتداع ولا غلو ولا إفراط أو تفريط ، ليسهموا في خدمة هذا الدين الحنيف الخاتم برغم جسامة المشاق التي واجهوها،وبرغم كم العقبات والعراقيل والتحديات التي اعترضت سبيلهم ليتركوا بصمات جلية كشعاع الشمس في رابعة النهار لا تحجب بغربال، متفانين في الدعوة الى دين الله تعالى، وفي تعلم وتعليم كتابه العزيز، والحرص على تعريف البشرية بسيرة وسنة وتعاليم نبيه الكريم ﷺ القائل: ” الأنبياءُ إخوَةٌ لعَلَّاتٍ: دِينُهم واحِدٌ، وأُمَّهاتُهم شَتَّى، وأنا أوْلى النَّاسِ بعيسى ابنِ مَريمَ…” .

وفي هذا الحوار الصحفي الماتع سنترشف سوية فنجان قهوة افتراضية على احدى طاولات مقهى الماسنجر الثقافي مع عَلَمٍ من هؤلاء الأعلام وبعد ثلاثة عقود ونيف على إسلامه التي قضاها في الكتابة والتأليف والتعلم والتعليم والدعوة على بصيرة لكل ما من شأنه خدمة دينه الحنيف بكل صدق وجد وتفان ومثابرة وإخلاص،إنه الداعية الهمام دريد إبراهيم الموصلي،الذي بادرناه بأسئلتنا فأجاب عنها مشكورا بكل تواضع ورحابة صدر وسرور :

س1- ماذا تقرأ بطاقتكم الشخصية،ومتى بدأت رحلتكم الرائدة مع الإسلام؟

-أنا دريد إبراهيم الموصلي، من مواليد بغداد عام 1971، نشأت في برطلة، ودرست في جامعة الموصل – كلية التربية، قسم علوم الحياة. وأعرّف نفسي اليوم ببساطة بأنني مدرس وكاتب ومؤلف ومجاز بتدريس القرآن الكريم، وقبل ذلك كله: طالب علم ما زال يتعلم، وأسأل الله أن يجعل ما أقدمه خالصا لوجهه ونافعا لعباده.

أما رحلتي مع الإسلام، فلها في قلبي تاريخ آخر للميلاد؛ فقد اعتنقت الإسلام في 23 كانون الثاني عام 1992، ولذلك أحب أن أقول إن لي ميلادين: ميلاد دخلت به إلى هذه الدنيا، وميلاد عرفت فيه الطريق الذي أريد أن ألقى الله عليه.

ومنذ ذلك اليوم لم يكن الإسلام بالنسبة إلي مجرد انتقال من دين إلى دين، ولا مجرد تغيير في خانة الهوية، بل كان بداية رحلة طويلة في البحث والتعلم وإعادة بناء الإنسان من داخله.

قضيت سنوات طويلة في طلب العلم والقراءة والتعلم، ثم شرفني الله بخدمة كتابه وتعليمه، فدرست القرآن الكريم وعلّمته سنوات، ثم اتسعت دائرة الخطاب عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل والتأليف.

ومع مرور السنوات أصبحت أشعر أن رسالتي التي أريد أن أبذل ما بقي من عمري من أجلها هي أن أقرب الناس من القرآن، لا ليقرأوه فحسب، بل ليفهموه ويتدبروه ويكتشفوا أنفسهم في مرآته، ثم يتحول هذا الفهم إلى تغيير حقيقي في القلب والسلوك والحياة.

ولذلك أستطيع أن أقول: لقد بدأت رحلتي مع الإسلام عام 1992م، لكنني إلى اليوم أشعر أنني ما زلت في أول الطريق؛ لأنك كلما عرفت الله أكثر، وعشت مع كتابه أكثر، أدركت كم بقي أمامك مما لا تعرفه.

س2- قبل أيام طرحت سؤالا مهما على صفحتك في موقع التواصل الاجتماعي -فيسبوك، قلت فيه”إن سألتني بعد أربعة وثلاثين عاما ماذا وجدت في الإسلام؟ فسأقول…”،والحقيقة أن جمهورك في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا ،أسوة بمن لا يعرفك منهم عن كثب برغم أنك أشهر من نار على علم، كلهم يودون أن يسمعوا من جنابك الكريم حقيقة ما وجدت في الإسلام بعد ثلاثة عقود ونيف في رحابه ؟

-أولا أشكر لكم حسن ظنكم، لكن اسمحوا لي أن أتحفظ بمحبة على عبارة “أشهر من نار على علم”. أنا لا أرى نفسي كذلك، ولا أحب أن أقيس ما قدمته بعدد من عرف اسمي أو تابعني؛ فأنا طويلب علم بسيط، أصيب وأخطئ، وأحتاج إلى من يقومني ويصحح لي. والذي يعنيني حقا ليس أن يعرف الناس دريد إبراهيم الموصلي، بل أن يكون فيما أقدمه شيء يدلهم على الله ويقربهم من كتابه.

أما سؤالكم: ماذا وجدت في الإسلام بعد أربعة وثلاثين عاما؟

فلو أردت أن أختصر هذه السنوات كلها في جملة واحدة لقلت:

وجدت في الإسلام الله.

وأنا لا أعني أنني لم أكن أعرف اسم الله قبل الإسلام، وإنما أعني أنني بدأت أعرف معنى أن يكون لك رب تعرفه بأسمائه وصفاته، تلجأ إليه، وتفتقر إليه، وتحبه، وترجوه، وتخافه، وتحسن الظن به، وتكتشف كلما تقدمت في الطريق أنك كنت أحوج إليه مما كنت تظن.

وجدت في الإسلام جوابا عن أكبر أسئلة الإنسان: من أنا؟ ولماذا جئت؟ وإلى أين أمضي؟ ولماذا أتألم؟ وماذا أفعل بالنعم التي بين يدي؟ وماذا بعد الموت؟

ووجدت فيه أن الإنسان لا يحتاج فقط إلى أحكام تنظم حياته، بل يحتاج إلى معنى يحمل به هذه الحياة.

وجدت في الصلاة مكانا أعود فيه من ضجيج الدنيا إلى نفسي.

ووجدت في القرآن كتابا لا يخبرني فقط عن الأمم التي مضت، بل يخبرني عني أنا؛ يكشف لي قلبي، ويصحح نظرتي، ويضع يده على أمراضي، ويعيد ترتيب الأشياء داخلي كلما بعثرتها الدنيا.

وجدت في التوبة أن الإنسان لا تنتهي قصته عند خطئه.

وفي الدعاء أن ضعفك لا يعني أنك وحدك.

وفي القضاء والقدر أن ما يفلت من يدك لا يفلت من تدبير الله.

وفي الابتلاء أن الألم ليس دائما علامة هجر، وأن بعض ما كسرني في حياتي كان سببا لأن أعرف من الله ما لم أكن لأعرفه في أيام العافية.

ووجدت في الموت، الذي يخاف الناس مجرد ذكره، معنى يعيد للدنيا حجمها الحقيقي؛ فلا نجاحها يستحق أن نعبد أنفسنا من أجله، ولا خسارتها تستحق أن نفقد الله بسببها.

وبعد أربعة وثلاثين عاما، لم أجد الإسلام سجنا ضاق عليَّ كلما تقدمت فيه، بل وجدته أفقا يتسع كلما تقدمت نحوه.

والأجمل أنني بعد هذه العقود لا أستطيع أن أقول: لقد عرفت الإسلام وانتهيت.

بل العكس تماما.

كلما تعلمت، اكتشفت مقدار ما أجهل.

وكلما اقتربت من القرآن، شعرت أن أمامي عمراً آخر أحتاجه لأفهمه وأعيش به.

وكلما عرفت شيئا عن الله، ازددت يقينا أن أعظم خسارة يمكن أن يعيشها الإنسان ليست أن يفقد مالا، أو صحة، أو شهرة، أو مكانة…

بل أن يعيش هذه الحياة كلها ولا يعرف ربه.

فإن سألتموني بعد أربعة وثلاثين عاما: ماذا وجدت في الإسلام؟

أقولها وأنا أستحضر الطريق كله:

وجدت وطنا للقلب، ومعنى للحياة، ونورا للطريق، وربا رحيما أرجو أن ألقاه وهو راض عني.

وهذا عندي أعظم ما يمكن أن يجده إنسان في رحلة عمره.

س3- أنت مهتم بربط العلم بالعمل،والقرآن بالسلوك،والعقيدة بإصلاح القلب، والمعرفة بالعبودية ،ومع دعوتك إلى تدبر القرآن الكريم،إلا أنك لطالما حذرت من مغبة تحول التدبر إلى قول على الله بغير علم، أو تحميل النصوص ما لا تحتمله وتأسيسا على ذلك فأنت تفرق بين التفسير والتدبر والتأمل والتطبيق التربوي.. حدثنا قليلا عن هويتك العلمية،وعن مرجعيتك الدينية،وعن منهجك الذي تحاول أن تسير عليه،ولا سيما في مجالات التأليف وإلقاء المحاضرات التربوية ،والدروس الوعظية .

-هذا السؤال يمس قضية أعدها من أهم القضايا في مشروعي كله: أن نعرف من أي موقع نتكلم عن القرآن، وأين تنتهي مساحة التدبر، وأين تبدأ مسؤولية التفسير والقول على الله تعالى.

أما عن هويتي العلمية، فأنا حريص على ألا أقدم نفسي بما لست أهلا له. لم أتخرج في كلية شرعية، ولا أزعم لنفسي رتبة عالم أو مفسر أو فقيه، وإنما درست علوم الحياة في كلية التربية بجامعة الموصل، ثم أمضيت ما يقارب ربع قرن في طلب العلم الشرعي بصورة ذاتية، والقراءة والدراسة والمراجعة، مع عناية خاصة بالقرآن الكريم وعلومه وتفسيره، وشرفني الله بالإجازة في تدريس القرآن الكريم، وبممارسته تعليما سنوات طويلة.

ولهذا أحب أن أضع نفسي دائما في الموضع الذي أعرفه عن نفسي: طالب علم، ومدرس، وكاتب، ومؤلف؛ أتعلم وأعلم ما تعلمت، وأصيب وأخطئ، ولا أستنكف أن يقال لي: أخطأت هنا، أو هذا الاستدلال يحتاج إلى مراجعة. بل أعد الرجوع إلى الحق جزءا من الأمانة العلمية، لا انتقاصا من صاحبها.

أما مرجعيتي الدينية فهي القرآن الكريم والسنة الصحيحة بفهم أهل العلم المعتبرين، والرجوع إلى كتب التفسير والحديث والفقه والعقيدة المعتمدة، والإفادة من تراث علماء الأمة، من غير أن أجعل شخصا بعد رسول الله ﷺ فوق المراجعة أو النقد العلمي، ومن غير أن أجعل نفسي حكما على العلماء.

وأحاول في ذلك أن أفرق بين الثابت الشرعي وبين فهم البشر للثابت الشرعي؛ فالوحي معصوم، أما أفهامنا نحن فليست معصومة.

ومن هنا جاءت عنايتي الشديدة بالتفريق بين التفسير والتدبر والتأمل والتطبيق التربوي.

فالتفسير يسأل:

ماذا تعني الآية؟

أي ما المراد من ألفاظها وتراكيبها وسياقها بحسب لسان العرب وأصول التفسير وما قرره أهل العلم.

أما التدبر فيأتي بعد فهم المعنى، ويسأل:

ماذا تكشف لي هذه الآية؟ وإلى ماذا تهديني؟ وماذا ينبغي أن تغير في نظرتي وقلبي وسلوكي؟

والتأمل أوسع من ذلك من جهة النظر في المعاني والروابط والآثار التي يفتحها النص للقارئ، بشرط ألا ننسب إلى الله معنى لم يدل عليه كلامه.

أما التطبيق التربوي فهو أن ننتقل من فهم الهداية إلى تنزيلها على واقع النفس والأسرة والمجتمع، مع بقاء الفرق واضحا بين قولنا:

“معنى الآية هو…”

وبين قولنا:

“ومن هدايات الآية يمكن أن نتعلم…”

وهذا الفرق عندي بالغ الأهمية.

لأن المشكلة التي أراها اليوم ليست في دعوة الناس إلى تدبر القرآن؛ فالقرآن نفسه دعا إلى تدبره، وإنما المشكلة حين يتحول التدبر إلى تفسير بلا أدوات، أو إلى خواطر شخصية تقدم للناس على أنها مراد الله، أو إلى البحث عن أسرار عددية وعلاقات لغوية ونفسية وعلمية لا يحتملها النص، ثم يقال: هذا من إعجاز القرآن.

أنا أخشى من جملة:

“فتح الله علي في هذه الآية”

إذا أصبحت تصريحا مفتوحا لأن يقول الإنسان في كلام الله ما شاء.

ليس كل ما خطر في قلبك تدبرا.

وليس كل معنى جميل معنى قرآنيا.

وليس كل علاقة مدهشة إعجازا.

وليس كل ما يمكن أن نربطه بالآية يجوز أن نقول إن الآية أرادته.

ولهذا أكرر دائما أن التدبر ليس صناعة معنى جديد للآية، وإنما الوقوف أمام معناها الصحيح حتى يصنع هذا المعنى شيئا جديدا فيك.

وهذه من القواعد المركزية التي أحاول أن أبني عليها ما أكتب وألقي.

أما منهجي في التأليف والمحاضرات، فأحاول أن أسير في اتجاه يمكن تلخيصه بأربع كلمات:

علم يفهم، وقلب يتأثر، وواقع يشخص، وعمل يتغير.

فلا أريد للمعلومة الشرعية أن تبقى معلومة باردة في الذهن، كما لا أريد للعاطفة أن تتحرك بلا علم.

حين أتحدث عن اسم من أسماء الله، لا يكفيني أن أعرف معناه اللغوي والعقدي؛ أسأل: ماذا ينبغي أن يصنع الإيمان بهذا الاسم في قلبي وعبادتي ونظرتي إلى الحياة؟

وحين أتحدث عن مرض من أمراض القلوب، لا أريد مجرد تعريف الكبر أو الحسد أو الرياء؛ أريد أن يخرج القارئ من الصفحة وهو يسأل نفسه:

هل في قلبي شيء من هذا؟ من أين دخل؟ وكيف أعالجه بالوحي؟

وحين أتناول آية من القرآن، أحاول أن أبدأ بمعناها الصحيح، ثم أنتقل إلى هداياتها، ثم أنزل بها إلى مرآة الواقع، ثم أجعل القارئ يقف أمام نفسه.

ولهذا فإن المشروع الذي أحاول خدمته في كتبي ومحاضراتي ليس مشروع تكثير المعلومات بقدر ما هو مشروع بناء الإنسان بالوحي.

وأعتقد أن عندنا اليوم وفرة هائلة في المعلومات الدينية، لكن المأساة أن المسافة قد تكون كبيرة بين ما نعرفه وما نعيشه.

قد يعرف الإنسان أبوابا كاملة في الإخلاص، ثم يكون أسيرا لنظر الناس.

ويقرأ عشرات الآيات في التوكل، ثم ينهار قلبه أمام الأسباب.

ويحفظ نصوصا في حسن الخلق، ثم يعجز عن إنصاف مخالفه.

ويعرف أحكام اللسان، ثم يهدم بلسانه قلوبا وبيوتا.

فالمشكلة ليست دائما: ماذا نعرف؟

بل كثيرا ما تكون:

ماذا فعلت بنا الأشياء التي عرفناها؟

ولهذا أحب هذه المعادلة:

العلم الذي لا يقود إلى العمل يحتاج إلى مراجعة، والعمل الذي لا يقوم على العلم يحتاج إلى تصحيح، والتدبر الذي لا ينطلق من معنى صحيح قد يتحول إلى قول على الله بغير علم، والعبادة التي لا تصل إلى القلب قد تبقى صورة لم تؤد أثرها كاملا في الإنسان.

وأنا في كل ذلك لا أقدم منهجي بوصفه مدرسة مكتملة أدعو الناس إلى الانتساب إليها، ولا أريد أن يصنع الناس من تجربتي مرجعية جديدة.

إنما هي محاولة عبد قضى سنوات مع القرآن، واكتشف أنه كلما اقترب منه ازداد شعورا بحاجته إلى العلم والتصحيح والتزكية.

وأقول للذين يقرأون لي ويسمعونني دائما:

لا تجعلوا ثقتكم بي بديلا عن الدليل، ولا محبتكم لي مانعا من تصحيحي.

فنحن لا نخدم القرآن حين نصنع حول من يتحدث عنه هالة تمنع مراجعته؛ وإنما نخدم القرآن حين يبقى الحق أكبر منا جميعا.

وهذه، باختصار، هي الهوية التي أحاول أن أحافظ عليها:

أن أكون عبدا قبل أن أكون متحدثا، وطالبا للحق قبل أن أكون صاحب رأي، وأن أجعل العلم جسرا إلى العبودية، والقرآن طريقا إلى إصلاح القلب، والمعرفة بداية للعمل لا نهايته.

س4-لجنابك الكريم كتاب قيم بعنوان ” احفظ القرآن الكريم كما تحفظ الفاتحة” ، هل لكم أن توجزوا لنا أهم مواضيعه ومباحثه ؟

  • كتاب “احفظ القرآن الكريم كما تحفظ الفاتحة” من الكتب القريبة جدا إلى قلبي؛ لأنه وُلد من سنوات طويلة من التعامل المباشر مع حفظة القرآن وطلابه، ومن ملاحظة مشكلة تتكرر كثيرا: قد يحفظ الإنسان القرآن، ولكنه بعد مدة يجد نفسه في معركة مستمرة مع النسيان، وكأنه مطالب بإعادة بناء حفظه في كل مرة.

ومن هنا جاء السؤال الذي انطلق منه الكتاب:

لماذا تبقى سورة الفاتحة حاضرة في الذاكرة بهذه القوة، بينما يحتاج كثير من المحفوظ إلى جهد كبير لاستحضاره؟ وهل نستطيع أن نقترب ببقية القرآن من هذه الدرجة من الرسوخ؟

والعنوان بالطبع لا يعني أن هناك وصفة سحرية تجعل القرآن كله في درجة الفاتحة بمجرد تطبيق خطوات محددة، وإنما يشير إلى الغاية التي نسعى إليها: أن يتحول الحفظ من ذاكرة مؤقتة إلى بناء راسخ يستصحبه صاحبه في حياته.

ولهذا فالكتاب لا ينظر إلى حفظ القرآن بوصفه عملية تكرار للألفاظ فحسب، بل يحاول أن يبني علاقة أعمق بين الحافظ وما يحفظه.

ومن القضايا التي يعتني بها: تيسير الحفظ، وترسيخه، وربط الآيات والسور في ذهن الحافظ، والعناية بالمتشابهات اللفظية وضبطها، والاستفادة من فهم المعنى في تقوية الحفظ، مع التأكيد أن الحافظ لا ينبغي أن تكون علاقته بالقرآن علاقة ذاكرة فقط، وإنما فهم وتدبر وعمل وتزكية.

وأنا أرى أن من الأخطاء التي يقع فيها بعض طلاب الحفظ أن يصبح همهم:

كم صفحة حفظت؟ وكم جزءا أنهيت؟

بينما السؤال الذي ينبغي أن يرافق ذلك هو:

كم بقي مما حفظت؟ وكيف أصبحت علاقتك بما حفظت؟

فالسرعة في الوصول إلى آخر المصحف ليست هي النجاح وحدها.

قد تختم الحفظ ثم تبدأ رحلة طويلة لاستعادة ما فقدته، وقد تسير بصورة أبطأ ولكنك تبني في كل مرحلة أساسا أكثر رسوخا.

ولذلك أحاول أن أنقل الحافظ من عقلية “إنهاء المحفوظ” إلى عقلية “إتقان المحفوظ”.

وهناك معنى آخر أعده مهما جدا، وهو أن الفهم خادم عظيم للحفظ. فالآيات حين تتحول في ذهنك من كلمات متتابعة إلى معان مترابطة ومشاهد ومقاصد، يصبح استحضارها أيسر وأعمق من مجرد حفظ أصوات منفصلة.

ولهذا جاءت عنايتي كذلك بمسألة الترابط بين الآيات، وبالمتشابهات القرآنية؛ لأن كثيرا من اضطراب الحفظ لا يكون بسبب ضعف الذاكرة وحده، وإنما بسبب عدم وجود علامات واضحة في ذهن الحافظ تميز المواضع المتشابهة بعضها من بعض.

ولكنني في نهاية المطاف لا أريد أن يخرج القارئ من الكتاب حافظا قويا فقط.

فالقرآن لم ينزل لتكون أعظم علاقتنا به أن نستطيع استظهاره من أوله إلى آخره.

إنما الحفظ وسيلة لشيء أعظم:

أن تحمل القرآن في صدرك حتى يحملك القرآن في حياتك.

فإذا حفظ اللسان، وفهم العقل، وتأثر القلب، وتحرك السلوك، عندئذ يبدأ الحفظ يؤدي رسالته الحقيقية.

ولهذا فإن الرسالة التي يمكن أن ألخص بها الكتاب هي:

لا تجعل غايتك أن تقول يوما: لقد حفظت القرآن، بل اجتهد أن تبلغ من الإتقان والصحبة معه ما يجعل القرآن رفيق ذاكرتك وقلبك وعبادتك وحياتك.

س5- وماذا عن كتابك الآخر الذي لا يقل أهمية عن سابقه ” تسعمائة 900 سؤال وجواب في تدبر آيات الكتاب”، فما هي زبدة رسالة التدبر القرآني ،وما هي خلاصة تجربة مؤلف الكتاب مع تدبر آيات الذكر الحكيم ؟

-كتاب “900 سؤال وجواب في تدبر آيات الكتاب” يمثل مرحلة مهمة من علاقتي بالقرآن الكريم؛ لأنه يقوم على فكرة أؤمن بها كثيرا، وهي أن السؤال الجيد قد يفتح للقارئ بابا في القرآن لم يكن منتبها إليه.

فالإنسان قد يقرأ الآية عشرات المرات، ثم يأتي سؤال واحد فيوقظه:

لماذا جاءت هذه الكلمة هنا؟

ما الذي تكشفه الآية عن النفس البشرية؟

ما العلاقة بين أول الآية وآخرها؟

لماذا جاء هذا الموقف بهذه الصورة؟

ماذا كان يمكن أن يحدث لو تصرف الإنسان على نحو آخر؟

وأين أنا من هذه الآية؟

ومن هنا جاءت فكرة الأسئلة والأجوبة؛ ليس لتحويل القرآن إلى مسابقة معلومات، وإنما لتدريب العقل على حسن الوقوف أمام النص، والقلب على حسن تلقي هدايته.

أما إذا سألتموني عن زبدة رسالة التدبر القرآني بعد هذه الرحلة، فسأقول:

التدبر ليس أن تستخرج من القرآن ما يدهش الناس؛ بل أن تسمح للقرآن أن يكشف لك ما يحتاج إلى التغيير فيك.

وهذه قضية أصبحت عندي أكثر وضوحا مع مرور السنوات.

ففي زمن وسائل التواصل أصبح هناك إغراء شديد بأن يأتي الإنسان بشيء “لم يسبق إليه”؛ علاقة غريبة بين كلمات، أو سر عددي، أو معنى نفسي بعيد، أو إسقاط معاصر مثير، ثم يقدم ذلك باسم التدبر.

وأنا أرى أن هذا قد يقلب وظيفة التدبر رأسا على عقب.

فالقرآن لم ينزل ليكون ميدانا نستعرض فيه ذكاءنا أمام الناس، وإنما نزل ليهدينا.

ولهذا أقول دائما:

لا تدخل إلى القرآن وأنت تسأل: ماذا سأستخرج منه ليعجب الناس؟

ادخل إليه وأنت تسأل: ماذا يريد الله أن يصلح فيّ بهذا الكلام؟

أما خلاصة تجربتي الشخصية مع تدبر القرآن، فقد علمتني عدة أمور كبرى.

أولها أن التدبر يبدأ بعد فهم المعنى، لا قبله.

فأنا لا أملك أن أصنع للآية معنى ثم أسميه تدبرا. لا بد أولا أن أعرف ماذا تقول الآية في سياقها، وأن أرجع عند الحاجة إلى كلام أهل التفسير واللغة، ثم تبدأ رحلة النظر في هداياتها وآثارها.

وعلمتني التجربة أيضا أن أعظم القرآن ليس دائما في أغرب ما نستخرجه منه، وإنما قد يكون في أوضح ما نمر عليه ولا نعيشه.

نقرأ:

﴿إن الله مع الصابرين﴾،ونعرف معناها…

ولكن هل عشنا حقا معنى أن يكون الله معنا ونحن نصبر؟

ونقرأ:

﴿أليس الله بكاف عبده﴾،لكن كم مرة عرفها اللسان وبقي القلب مضطربا كأنه لم يقرأها؟

ونقرأ عشرات الآيات في الآخرة، ثم نتعامل مع الدنيا أحيانا كأنها دار البقاء.

هنا أدركت أن المشكلة ليست دائما أننا لم نفهم الآية…

بل أننا فهمناها ولم نسمح لها أن تصل إلى الموضع الذي ينبغي أن تغيره فينا.

وعلمتني التجربة كذلك أن من أجمل أبواب التدبر أن تقرأ القرآن وكأنك تقف أمام مرآة.

لا تقرأ قصة المتكبر وأنت تبحث عن متكبر تعرفه.

ولا آيات المنافقين وأنت تبحث عن خصم تلصقها به.

ولا آيات الحسد وأنت تفكر في شخص يحسدك.

ولا آيات الظلم وأنت لا ترى إلا من ظلمك.

بل اسأل أولا:

هل فيّ شيء من هذا؟

وهذا من أصعب التدبر؛ لأن النفس تحب القرآن حين يكشف الآخرين، وقد تتألم حين يكشفها هي.

ولذلك أرى أن التدبر الحقيقي ينقل الإنسان تدريجيا من سؤال:

ماذا تقول هذه الآية عنهم؟

إلى سؤال:

ماذا تقول هذه الآية لي؟

لكن مع تنبيه مهم جدا: قولنا “ماذا تقول لي؟” لا يعني أن لكل إنسان أن يخترع للآية معنى شخصيا؛ وإنما يعني: بعد أن أفهم مرادها الصحيح، ما نصيبي أنا من هدايتها ومحاسبة نفسي بها؟

وعلمتني صحبة القرآن أمرا آخر:

أنك قد تعود إلى الآية التي تعرف تفسيرها، فلا يتغير تفسيرها، ولكن أنت الذي تغيرت.

تقرأها في الشباب فتفتح لك بابا.

وتقرأها بعد تجربة مؤلمة فتفتح لك بابا آخر من هدايتها.

وتقرأها بعد فقد أو مرض أو نجاح أو انكسار، فإذا بالكلمات نفسها، ولكن القلب الذي يستقبلها لم يعد القلب نفسه.

وهذا من عجائب القرآن؛ ثبات المعنى لا يعني انتهاء الهداية.

وكلما ازددت صحبة للقرآن ازددت حذرا من القول عليه.

كنت أظن في بدايات الطريق أن كثرة الكلام عن الآية دليل على حسن تدبرها، ثم تعلمت أن من العلم أحيانا أن تقف وتقول:

لا أدري.

وأن احترام القرآن ليس فقط في أن نتكلم عنه، بل أحيانا في أن نمتنع عن نسبة معنى إليه لا نملك عليه دليلا.

ولو أردت بعد هذه السنوات كلها أن أضع خلاصة تجربتي في خطوات قليلة لقلت:

اقرأ.

افهم.

لاحظ.

اسأل.

حاسب نفسك.

ثم غيّر.

فإن انتهى تدبرك عند معلومة جديدة فقط، فقد أخذت شيئا من الطريق.

وإن انتهى عند دمعة عابرة فقط، فقد أخذت شيئا آخر.

أما الغاية الكبرى فهي أن تقوم من أمام الآية وقد تغير فيك شيء:

تصور صححته.

أو ذنب تركته.

أو خلق أصلحته.

أو خوف هذبته.

أو يقين ازداد.

أو علاقة بالله أصبحت أعمق.

وهنا أصل إلى الخلاصة التي تمثل عندي رسالة هذا الكتاب ورسالة التدبر كلها:

ليس السؤال الكبير: كم آية تدبرت؟

بل:

كم آية غيرتك؟

فالقرآن لم ينزل ليملأ دفاترنا بالخواطر…

بل ليملأ حياتنا بالهداية.

س6- لقد أوليت اهتماما بعلم المتشابهات في القرآن الكريم ، ونود منك أن تعرج على مضمون وفحوى كتابك”موسوعة التبيان في ضبط وتوجيه وفهم متشابهات القرآن ” فهل تناولت بين دفتيه موقف الراسخين في العلم منها،كذلك موقف الزائغين عنها، وما أهمية دراسة المتشابه القرآني بنوعيه: الحقيقي و النسبي ؟

-نعم، لقد كان علم المتشابهات القرآنية من العلوم التي استوقفتني طويلا، لا من جهة الحفظ وضبط المواضع المتشابهة فحسب، وإنما من جهة أعمق كنت أبحث عنها دائما: لماذا جاء التعبير هنا بهذه الصورة، وجاء في موضع آخر بصورة قريبة منها ولكن مع اختلاف كلمة، أو تقديم وتأخير، أو تعريف وتنكير، أو زيادة وحذف؟

ومن هنا جاءت «موسوعة التبيان في ضبط وتوجيه وفهم متشابهات القرآن»؛ فلم أرد لها أن تكون كتابا يقول للقارئ: احفظ أن هذه الآية هنا بكذا، وهناك بكذا، وإنما أردت أن ينتقل طالب القرآن من سؤال: «كيف أضبط المتشابه؟» إلى سؤال أجمل وأعمق: «لماذا اختلف التعبير القرآني هنا؟».

لأنني أؤمن أن كثيرا مما نسميه متشابها في الحفظ، ليس تشابها في المعنى والسياق؛ فقد تتقارب الألفاظ، ولكن لكل موضع شخصيته وسياقه ومقصده، وإذا فهم القارئ ذلك أصبح الفهم نفسه عونا على الضبط.

أما المتشابه من حيث المفهوم القرآني الأوسع، فقد تناولت القضية مع ضرورة التفريق بين المتشابه الحقيقي والمتشابه النسبي.

فالمتشابه الحقيقي هو ما استأثر الله تعالى بحقيقة علمه، أو ما لا سبيل للعقل البشري إلى إدراك كنهه وحقيقته على الوجه الذي يعلمه الله؛ وهنا يظهر مقام العبودية والتسليم، وأن الإنسان مهما بلغ من العلم يبقى علمه محدودا.

أما المتشابه النسبي فهو ما قد يشتبه على إنسان ويتضح لآخر، أو يخفى على طالب علم ثم ينكشف له بالرجوع إلى المحكم، وجمع النصوص، ومعرفة اللغة والسياق وأقوال أهل العلم. فهو متشابه بالنسبة إلى بعض الناس، وليس مغلقا على الأمة كلها.

وهنا تأتي الآية العظيمة في سورة آل عمران لتضع منهجا كاملا في التعامل مع هذا الباب، حين قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾.

فالقرآن لم يجعل المشكلة في وجود المتشابه، وإنما كشف مشكلة القلب الذي يتعامل معه.

الزائغ يبحث عن المتشابه ليصنع منه فتنة، وقد يأخذ نصّاً محتملا ويترك النصوص المحكمة الواضحة، ثم يبني على ذلك شُبهة أو انحرافا؛ لأنه لم يدخل إلى القرآن طالبا للهداية بقدر ما دخل باحثا عما يؤيد ما يريد.

أما الراسخ في العلم فموقفه مختلف تماما؛ لا يضرب القرآن بعضه ببعض، ولا يجعل المتشابه حاكما على المحكم، ولا يتعجل فيما لا يعلم، بل يرد ما اشتبه عليه إلى ما اتضح، ويجمع النصوص، ويعرف قدر عقله، ثم يقول بقلب المؤمن قبل لسان العالم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.

وهذه عندي من أعظم ثمرات دراسة المتشابه:

أنها لا تُعلِّمُك القرآن فقط، بل تُعلِّمُك الأدب مع القرآن.

تُعلِّمُك أن تقول: أعلم، حين تعلم.

وأن تقول: لا أعلم، حين لا تعلم.

وأن تدرك أن الرسوخ في العلم ليس أن تجد جوابا لكل شيء، وإنما أن تعرف كيف تتعامل مع ما ظهر لك، وكيف تتوقف أمام ما لم يظهر لك.

ولهذا حاولت في «التبيان» أن أجمع بين الضبط والتوجيه والفهم؛ لأن حافظ القرآن قد يضبط اللفظ ولا يدرك سرّ اختلافه، وقد يفهم المعنى ولكنه يحتاج إلى منهج يربط له المواضع بعضها ببعض.

وأردت للموسوعة أن تجعل المتشابه بابا إلى مزيد من التدبر، لا بابا إلى التكلُّف، وبابا إلى تعظيم دقَّة التعبير القرآني، لا إلى اختراع أسرار لا يدل عليها النَّص.

ولذلك أقول دائما: ليس كل اختلاف بين آيتين لغزاً نحتاج إلى حله، وليس كل تقديم أو تأخير «سرّاً خفيّاً» يجب أن نخترع له تفسيراً؛ فقد يكون وجه المناسبة ظاهرا، وقد يظهر بالبحث، وقد يبقى شيء لا نجزم فيه، وحينها تكون كلمة «لا أدري» علما وليست نقصا.

إن دراسة المتشابه القرآني، إذا قامت على أصول صحيحة، تزيد الحافظ ضبطا، وطالب العلم فهما، والمتدبر بصيرة، والمؤمن تعظيما لكلام الله.

ولعل هذه هي الفكرة التي أردت أن تحملها “موسوعة التبيان”:

ألَّا نبقى عند حدود السؤال: كيف لا أخلط بين الآيات؟

بل نرتقي إلى سؤال آخر:

ماذا يُعلِّمُني اختلاف هذه المواضع عن دقة كلام الله، وعن السياق، وعن منهج القرآن، وعن حدود فهمي أنا أيضا؟

فالقرآن لا يحتاج منا أن نثبت إعجازه بالتكلُّف؛ يكفي أن نقترب منه بعلم وإنصاف وأدب، لنكتشف أن الكلمة فيه ليست غريبة عن موضعها، وأن وراء هذا النَّظم من الحكمة والبيان ما يجعل طالب القرآن كلما ازداد به علما، ازداد أمامه تواضعا.

س7- لجنابك الكريم دروس ومحاضرات ومؤلفات عديدة تتمحور حول ” ضبط بدايات ونهايات أحزاب وأرباع القرآن الكريم بالجملة الإنشائية” و” طريقة مراجعة القرآن الكريم للخاتمين الذين تركوا المراجعة أو تفلت منهم” و”الحروف العربية صفات و مخارج” وكلها تدور حول أصول وقواعد وأحكام التجويد والحفظ والتلاوة، نود أن نستثمر حوارنا معك لتقدم للقراء الكرام خلاصة تجربتك المديدة في هذا المضمار المهم مع نفحات من محاضراتك وعصارة مؤلفاتك وخبراتك بشأنها للفائدة العامة .

-لعل أجمل ما في هذا السؤال أنه يعيدني إلى الميدان الذي عشت معه سنوات طويلة: مجالس القرآن، والطلاب، والحفظ، والتصحيح، ومشاهدة الناس وهم يبدأون ثم يتعثرون، ويحفظون ثم ينسون، وييأسون ثم يعودون.

وبعد هذه السنوات أستطيع أن أقول إنني تعلمت من طلاب القرآن بقدر ما علمتهم، وربما أكثر.

وأولى الخلاصات التي خرجت بها هي أن حفظ القرآن ليس مشروعا للذاكرة وحدها.

نحن مختلفون في قدراتنا؛ فمن الناس من يحفظ الصفحة بسرعة، ومنهم من يحتاج إلى تكرار كثير، ومنهم من يكون حفظه الأول بطيئا لكنه شديد الرسوخ، ومنهم من يحفظ بسرعة ثم يتفلت منه بسرعة.

ولذلك كنت دائما أحذر من المقارنات.

لا تقل: فلان حفظ في سنة، فلماذا لم أحفظ مثله؟

السؤال الأهم ليس:

كم احتجت حتى تحفظ؟

بل:

ماذا بقي معك مما حفظت؟

فالقرآن ليس سباقا إلى آخر صفحة.

ومن أكبر الأخطاء التي رأيتها أن ينشغل الطالب بالجديد حتى يصبح القديم هشا. وكلما تقدم في الحفظ ازدادت المساحة التي تحتاج إلى مراجعة، حتى يأتي يوم يشعر فيه أن القرآن الذي فرح بحفظه أصبح حملا ثقيلا عليه.

ومن هنا كانت عنايتي الكبيرة بالمراجعة.

وأقول لمن ختم القرآن ثم تفلت منه شيء كثير: لا تنظر إلى المصحف كله دفعة واحدة؛ لأنك حين ترى ثلاثين جزءا ضعيفا قد يصيبك الإحباط قبل أن تبدأ.

ابدأ بما تستطيع، ولكن ابدأ.

قسم المحفوظ، وشخص مواضع القوة والضعف، واجعل للمراجعة وردا ثابتا، ولا تنتقل بعشوائية كل يوم من موضع إلى آخر.

فالقرآن الذي تفلت لم يضع منك، وإنما يحتاج إلى إعادة بناء الصلة به.

وقد رأيت بعض الحفاظ يعاقب نفسه نفسيا كلما أخطأ:

كيف نسيت؟

كيف كنت أحفظ هذه السورة ثم أصبحت أتوقف فيها؟

وقد يصل به الأمر إلى أن يفسر كل نسيان بأنه بسبب ذنب معين.

ولا أحب هذا المسلك.

نعم، المعاصي تؤثر في القلب، والمؤمن يجاهد نفسه ويتوب دائما، لكن النسيان له أسباب بشرية وتعليمية كثيرة: ضعف المراجعة، وتراكم المحفوظ، والانقطاع، والإرهاق، وطريقة الحفظ نفسها، والفروق الفردية في الذاكرة. فلا نحول كل تعثر تعليمي إلى محاكمة إيمانية للإنسان.

ومن الخبرة التي تكونت عندي كذلك أن الحافظ يحتاج إلى مفاتيح ذهنية تساعده على استحضار مواضع القرآن.

ومن هنا جاءت بعض الأعمال المتعلقة بضبط بدايات الأحزاب والأرباع ونهاياتها بالجملة الإنشائية وغيرها من الوسائل التعليمية.

وهذه الوسائل ليست من القرآن، ولا نزعم لها فضيلة شرعية خاصة، وإنما هي أدوات تعليمية؛ إذا ساعدت الطالب على ترتيب خريطة المصحف في ذهنه والاستحضار وضبط المواضع كانت نافعة، وإذا وجد طالب وسيلة أصلح له أخذ بما يناسبه.

وأنا أؤمن في تعليم القرآن بقاعدة بسيطة:

الوسيلة خادمة للقرآن، وليست القرآن خادما للوسيلة.

فلا نقدس طريقة تعليمية، ولا نزعم أن هناك طريقة واحدة تصلح لكل الناس.

أما في باب التجويد والمخارج والصفات، فقد تعلمت أن هناك خطأين متقابلين:

من يستهين بالتجويد حتى تتغير الحروف وتضيع أحكام التلاوة، ومن يجعل التجويد من التعقيد بحيث يخاف الطالب أن يفتح فمه بالقرآن.

والصواب عندي أن نعلم الناس القراءة الصحيحة بدقة ورفق وتدرج.

الحرف العربي ليس رسما نراه على الورق فقط؛ له مخرج وصفة وأداء، والفرق بين حرف وحرف قد يكون في موضع دقيق جدا من جهاز النطق. ولهذا فإن دراسة المخارج والصفات مهمة لمن أراد إحسان التلاوة.

لكنني كنت أقول للطلاب بمعان مختلفة:

لا تجعلوا علم التجويد حاجزا بينكم وبين القرآن.

تعلموا، وأخطئوا أثناء التعلم، ودعوا المعلم يصحح لكم، وكرروا حتى يستقيم اللسان.

فالطالب الذي يخاف من الخطأ قد لا يتعلم، أما الذي يقبل التصحيح ويتدرج فإنه يتحسن يوما بعد يوم.

ومن الأمور المهمة جدا عندي أن التجويد علم تطبيقي.

يمكن أن تقرأ عشر صفحات في مخرج الضاد، لكن ذلك لا يغني عن أن يسمعك معلم متقن وأنت تنطقها.

وقد تعرف تعريف الغنة والمد والإخفاء والإدغام، ثم يبقى أداؤك محتاجا إلى تصحيح.

فالقرآن في جانب أدائه يؤخذ بالتلقي والمشافهة، ولا تكفي فيه المعرفة النظرية وحدها.

وأحب أن أنبه إلى شيء آخر تعلمته بعد سنوات التعليم:

ليس كل خطأ يحتاج إلى أن توقف الطالب عنده بالطريقة نفسها.

المعلم الناجح لا يصحح الحرف فقط، بل يعرف النفس التي أمامه.

هناك طالب يحتمل كثرة التصحيح.

وطالب مبتدئ إذا أوقفته عند كل جزئية في أول الطريق كسرت ثقته بنفسه.

وهناك كبير في السن يتعلم القرآن بعد عقود من اعتياد لسانه على نطق معين، فلا تعامل صعوبته كما تعامل طفلا مرن اللسان.

ولهذا أرى أن تعليم القرآن يحتاج إلى علم بالقرآن، وعلم بالإنسان أيضا.

ومن أجمل ما علمتني إياه هذه السنوات أن بعض الذين يظنون أنفسهم ضعفاء في الحفظ ليسوا ضعفاء كما يتصورون؛ وإنما لم يجدوا بعد الطريقة المناسبة لهم، أو أنهم حملوا أنفسهم فوق طاقتها، أو قارنوا بداياتهم بنهايات الآخرين.

وأقول دائما لطالب القرآن:

لا تستقل الصفحة الواحدة المتقنة.

صفحة تحفظها اليوم وتبقى معك خير من صفحات كثيرة تجمعها ثم تتساقط منك.

ولا تستقل عشر دقائق من المراجعة إذا كانت هي التي تستطيع المحافظة عليها.

فالاستمرار القليل يبني، والانقطاع الطويل يهدم.

ومع كل ذلك، هناك قضية أخشى أن تضيع وسط الحديث عن الحفظ والتجويد والمراجعة.

وهي:

لماذا نحفظ القرآن أصلا؟

يمكن أن يكون الإنسان متقنا للمخارج، ضابطا للمتشابهات، حافظا لأرقام الصفحات والأجزاء والأحزاب، ثم تكون المسافة كبيرة بين القرآن وسلوكه.

وهنا وقعنا في مشكلة أكبر من مشكلة النسيان.

لأن الغاية ليست أن يحمل العقل خريطة المصحف فقط…

بل أن يحمل القلب هدايته.

أنا أفرح بالطالب حين يصحح حرفه، وأفرح أكثر حين تصحح الآية خلقه.

أفرح حين يضبط لسانه في التلاوة، وأفرح أكثر حين يضبط القرآن لسانه عن الغيبة والكذب والأذى.

وأفرح حين لا يخطئ في موضع الوقف، ولكنني أريد معه أن يعرف أين يقف في حياته عندما تعرض عليه حدود الله.

وهذه هي عصارة تجربتي التي أحب أن تصل إلى كل حافظ وقارئ ومعلم:

احفظوا القرآن، وراجعوه، وأتقنوا حروفه، وتعلموا أحكام تلاوته، وخذوه عن أهله، واستعملوا من الوسائل التعليمية ما يعينكم عليه… ولكن لا تسمحوا للوسيلة أن تنسيكم الغاية.

فليست أعظم منزلة للقرآن أن يكون محفوظا في الذاكرة…

بل أن يكون محفوظا في الصدر، ظاهرا على اللسان، حاضرا في القلب، ومشاهدا أثره في الحياة.

إرسال التعليق