ضابط مخابرات خائن
ابراهيم جميل
في صيف عام 2010،الجميع كان يظن أن الحرب الباردة قد أُقبرت تحت أنقاض جدار برلين،وأنه انتهت فترة شبكات التجسس ما بين الطرفين دون رجعه ،ولكن في هذا اليوم أفاق الشارع الأمريكي على كابوسٍ أمني أسطوري: اعتقال 10 جواسيس روس يتخفون كأزواج وأسر طبيعية داخل ضواحي نيويورك وبوسطن وواشنطن!
عاش هؤلاء العملاء عقوداً كاملة بأسماء أمريكية مزيفة، يتحدثون الإنكليزية بطلاقة، ويتجولون في الحفلات الاجتماعية للتجسس لصالح جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي (SVR) الإبن الشرعي والوريث لجهاز الـKGB المرعب.
لكن المفاجأة التي هزت الطرف الآخر لم يكن اعتقال هذه الخلايا النائمة.. بل الشخص الذي سلّم مفاتيح هذه الإمبراطورية السرية لـ FBI على طبق من ذهب،و أضاع عمل سنوات في ثواني!
إنه «العقيد ألكسندر بوتيف»— نائب رئيس القسم “S” في جهاز الـ SVR، والرجل المسؤول حصرياً عن إدارة وتأمين برنامج “الجواسيس غير الشرعيين” (Illegals) حول العالم!
لم يكن بوتيف خائناً طارئاً، بل كان نتاج مرارة مسمومة تراكمت عبر السنين…
فقد ولد ألكسندر ابناً لبطل عسكري سوفيتي حائز على أعلى الأوسمة في الحرب العالمية الثانية.
و خدم هو نفسه لسنوات داخل قوات النخبة بأفغانستان، وكان ضابطاً مشهوداً له بالكفاءة العالية في المخابرات السوفيتية.
و بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، شعر بوتيف أن تضحياته وتضحيات والده ذهبت أدراج الرياح.
رأى قادته في الجهاز يتحولون إلى مليارديرات وأصحاب نفوذ، بينما يتقاضى هو راتباً حكومياً لا يلبي طموحه، وشعر بـ “نقص الاستحقاق”؛ فهو يرى أنه الأذكى والأحق بالثراء والمكانة، لكن المنظومة الروسية لم تمنحه التقدير الذي يستحقه.
كان العقيد يرى نفسه جنرال ببساطة وأنه مظلوم داخل الجهاز.
انقطع حبل الولاء بينه وبين موسكو، وتبنى عقيدة جديدة: إذا كانت الدولة لا تقدرني.. فسأقدر نفسي بدولارات المخابرات الأمريكية!
بحلول عام 2000، بدأ بوتيف اتصالاته السرية للغاية مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI).
وبحكم موقعه الوظيفي الحساس كـ “نائب رئيس قسم الجواسيس غير الشرعيين”، كان يملك الكنز الأغلى فك الشفرات والأسماء الحقيقية…
أمد بوتيف الأمريكان بالأسماء الحقيقية للعملاء المنتشرين في ضواحي أمريكا، وعلى رأسهم الحسناء الشهيرة “آنا تشابمان” و”دونالد هيثفيلد”.
وقد كان يستخدم وسائل التشفير الحديثة، الحبر السري، والمواقع السرية التي يلتقي فيها الجواسيس مع ضباط التوجيه الروس لتسليم الأموال والمعلومات.
احتفظت الـ FBI بهذه المعلومات لسنوات، وظلت تراقب هؤلاء الجواسيس كالظل لتفكيك كل امتداداتهم، تراقب بذكاء حتى جاءت اللحظة الحاسمة في يونيو 2010، حيث صُدر القرار بالقبض عليهم جميعاً في ليلة واحدة.
وقبل أيام قليلة من إلقاء القبض على الشبكة، شعر بوتيف أن الوقت قد حان للقفز من السفينة، وأن المخابرات الروسية بدأت تتشكك في وجود خرق كبير داخل القسم “S”:
لقد حان وقت الهروب الكبير …
وفي يونيو 2010، استغل بوتيف إجازة رسمية، وبدلاً من الذهاب إلى شقته، استقل القطار بهدوء متجهاً إلى بيلاروسيا ومنها وبجواز سفر مزور إلى أوكرانيا، ليجد في انتظاره عملاء الـ CIA الذين عبروا به فوراً إلى ألمانيا ثم إلى واشنطن!
عندما أدرك الرئيس فلاديمير بوتين أن الخائن لم يكن سوى العقيد بوتيف نفسه، ألقى كلمته الغاضبة الشهيرة أمام التلفزيون: “الجواسيس لا يموتون بمرض عادي.. الخونة سيلقون حتفهم، وسيشربون أنخاب خيانتهم زقوماً!”
في عام 2011 ،حوكم ألكسندر بوتيف غيابياً في موسكو بتهمة الخيانة العظمى، وتم تجريده من كافة رتبه العسكرية وأوسمته، والحكم عليه بالسجن 25 عاماً.
اختفى بوتيف داخل نظام حماية الشهود الأمريكي باسم مستعار في ولاية فلوريدا.
في عام 2016، نُشرت أنباء في موسكو تفيد بموت بوتيف في أمريكا، ولكن تبين لاحقاً أنها كانت “شائعة موجهة” إما من الـ CIA لإخفاء أثره، أو من المخابرات الروسية لاستدراجه للظهور.
لكن في عام 2018، كشفت وسائل إعلام أمريكية أن المخابرات الروسية أرسلت بالفعل فرق اغتيال سرية لتتبعه والوصول إلى مقره في فلوريدا لتصفيته بأسلوب مشابه لـ “سيرغيسكريبال”.
ولكن …هل هو لازال على قيد الحياة أم ما زال مكان وجوده حتى اليوم سراً مطلقاً تحيط به أعتى إجراءات الحماية الفيدرالية لا أحد يعلم؟!
ولكن السؤال الذي يطرحه الكثير من الناس الي اليوم…هل لا زالت الخلايا النائمة تعمل إلى الآن؟
الحقيقة التي تكشفها كواليس استخبارات اليوم هي: نعم، وبشكل أكثر شراسة وتطوراً من أي وقت مضى!
عقب حرب أوكرانيا وطرد مئات الدبلوماسيين والضباط الروس من السفارات الغربية، عادت موسكو وبقوة إلى تكتيك “الجواسيس غير الشرعيين” (Illegals).
في السنوات الأخيرة، أُلقي القبض على أزواج وعملاء يحملون جنسيات دول أرجنتينية وبرازيلية وسلوفينية اتضح لاحقاً أنهم ضباط في الـ SVR يعيشون حياة هادئة في قلب أوروبا!
عالم الجاسوسية لم ينتهِ بانتهاء الحرب الباردة، بل ارتدى أزياء جديدة؛ فالخلايا النائمة ما زالت زرعها يستمر في المفاصل الأكاديمية والتكنولوجية والسياسية للغرب.. بانتظار إشارة البدء!
والآن يا أصدقائي.. نصل معكم إلى ختام هذه المحطة الساخنة من “حروب الظلال”!
قصة “ألكسندر بوتيف” تذكرنا دائماً بأن أخطر الأسلحة في عالم التجسس ليس التكنولوجيا أو التشفير.. بل هو “النفس البشرية” عندما تجوع للاستحقاق والمال!
فما رأيكم في قصة العقيد الذي أطاح بأكبر شبكة روسية؟ وهل ترغبون أن نواصل كشف ملفات “الجواسيس غير الشرعيين” في أوروبا، أم ننتقل لنغوص في عالم الجاسوسية الرقمية واختراقات التشفير النووي؟



إرسال التعليق