المقاومة في الحركة الوطنية الفلسطينية.. تطور لمفهوم وأشكال النضال وإشكاليات الكفاح المسلح
فراس صالح
■ تتناول دراسة «المقاومة في الحركة الوطنية الفلسطينية.. تطور لمفهوم وأشكال النضال وإشكاليات الكفاح المسلح»، إصدار المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف»، إعداد زياد جرغون، عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين تطور مفهوم المقاومة في الحركة الوطنية الفلسطينية، وأشكالها المختلفة، ومكانة الكفاح المسلح وإشكالياته وحدود فاعليته في إطار المشروع الوطني الفلسطيني. وتنطلق من أن المقاومة كانت، منذ نشوء الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ركناً أساسياً في مواجهة الاحتلال، إلا أن الجدل التاريخي لم يكن حول مبدأ المقاومة بقدر ما انصبّ على مضمونها وأشكالها، وتحديد الأداة النضالية الأكثر ملاءمة لكل مرحلة من مراحل الصراع.
تؤكد الدراسة أن المقاومة مفهوم شامل ومتعدد الأشكال، ولا يقتصر على العمل العسكري، بل يضم المقاومة الشعبية والجماهيرية، والمقاومة المسلحة، وأشكال الاشتباك غير المسلح، إلى جانب المقاومة السياسية والقانونية والدبلوماسية والإعلامية. وتدعو إلى النظر إلى هذه الأدوات باعتبارها مكونات متكاملة لاستراتيجية مقاومة شاملة، تتحدد أولوية كل منها وفق طبيعة المرحلة وميزان القوى والظروف السياسية والميدانية.
وتبحث الدراسة في مشروعية المقاومة الفلسطينية من منظور القانون الدولي، باعتبارها تعبيراً عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والتحرر من الاحتلال، استناداً إلى مبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، مع التأكيد على أن ممارسة هذا الحق تظل محكومة بقواعد القانون الدولي الإنساني.
وفي استعراضها للتطور التاريخي، توضح الدراسة أن الكفاح المسلح انتقل من عمليات فردية ومحلية مشتتة عقب النكبة إلى عمل وطني منظم مع تطور الحركة الوطنية الفلسطينية. وشكلت هزيمة حزيران/يونيو 1967 نقطة تحول رئيسية في صعود الكفاح المسلح بوصفه الشكل الرئيسي للنضال، وصولاً إلى تكريس هذا المفهوم في الميثاق الوطني الفلسطيني عام 1968. غير أن التجربة التاريخية أثبتت أن تحويل الكفاح المسلح إلى استراتيجية حصرية لا ينسجم مع تعقيدات الصراع، وأن فاعليته تتطلب تكامله مع الأدوات السياسية والشعبية والدبلوماسية والإعلامية.
كما تتناول الدراسة إشكالية هيمنة الكفاح المسلح على الوعي السياسي الفلسطيني، وتحوله في مراحل معينة إلى معيار لشرعية الفصائل وفاعليتها، بما أفضى إلى تغليب التأثير العسكري والإعلامي على حساب معايير الجدوى الاستراتيجية بعيدة المدى. وفي المقابل، تبرز الدراسة الأدوار الوطنية التي أدتها منظمة التحرير الفلسطينية في إعادة بناء الهوية الوطنية، وتوحيد الشعب الفلسطيني، وبناء المؤسسات، وقيادة المعركة السياسية والدبلوماسية.
وتحلل الدراسة المحددات الموضوعية التي حكمت تجربة الكفاح المسلح الفلسطيني، وفي مقدمتها الخصوصية الجغرافية والسياسية للقضية الفلسطينية، والشتات، وغياب العمق الاستراتيجي وقواعد الارتكاز المستقرة، والاعتماد بدرجات متفاوتة على المحيط العربي، فضلاً عن الاختلال في موازين القوى والتفوق العسكري الإسرائيلي. وترى أن هذه الخصوصية تفرض قراءة مستقلة للتجربة الفلسطينية، بعيداً عن إسقاط نماذج حركات التحرر الأخرى عليها بصورة ميكانيكية.
وتستعرض الدراسة محاولات إقامة قواعد ارتكاز للمقاومة داخل فلسطين، من تجربة قطاع غزة عامي 1970-1971، مروراً بتجربة مناطق (أ) خلال الانتفاضة الثانية، وصولاً إلى تجربة قطاع غزة بعد عام 2007. وتخلص إلى أن الإنجاز العسكري، مهما بلغت أهميته، لا يكفي بمفرده لتحقيق الأهداف الوطنية، ما لم يتوافر إطار سياسي واستراتيجي قادر على تحويل الإنجازات الميدانية إلى مكاسب سياسية مستدامة.
وفي تقييم حصاد التجربة، ترفض الدراسة الأحكام المطلقة التي تصف الكفاح المسلح بالنجاح الكامل أو الفشل المطلق، وتدعو إلى تقييمه وفق ما حققه فعلياً والظروف الموضوعية التي عمل فيها. وتؤكد أنه أسهم في إعادة القضية الفلسطينية إلى الأجندة الإقليمية والدولية، وترسيخ الهوية الوطنية، والإسهام في بناء الكيانية والمؤسسات الوطنية، وحماية المشروع الوطني الفلسطيني في مراحل مختلفة.
وتخلص الدراسة إلى أن الكفاح المسلح أدى دوراً محورياً في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، لكنه ليس الاستراتيجية الوطنية بأكملها، بل أحد مكوناتها. وأن فاعلية المشروع الوطني الفلسطيني ترتبط ببناء استراتيجية وطنية شاملة وموحدة، تقوم على التكامل المرن بين المقاومة الشعبية والكفاح المسلح والعمل السياسي والدبلوماسي والقانوني والإعلامي، وعلى مراجعة مستمرة لأدوات النضال في ضوء موازين القوى والتحولات الداخلية والإقليمية والدولية، بما يعزز القدرة على حماية الحقوق الوطنية الفلسطينية وتحويل عناصر القوة والصمود إلى إنجازات سياسية ملموسة■



إرسال التعليق