32 ألف طلب تعويض في إسرائيل

علي جاسم ياسين

في الشرق الأوسط، حيث اعتادت الحروب أن تُكتب بالنار والحديد، وحيث المدن تعرف جيدًا معنى الدخان والركام وصفارات الموت، كانت إسرائيل تقدم نفسها دائمًا باعتبارها القلعة التي لا تسقط، والدولة التي لا تهتز مهما اشتعلت المنطقة من حولها. لعقود طويلة، صُنعت صورة “الجيش الذي لا يُهزم”، وتكررت الحكاية ذاتها في الإعلام والسياسة، حتى بدا وكأن السماء نفسها لا تستطيع أن تجرؤ على الاقتراب من تلك الدولة المحاطة بالحديد والنار والتكنولوجيا.
لكن شيئًا ما تغير هذه المرة.
فجأة، أصبحت الشوارع التي كانت تتحدث دائمًا عن الأمن المطلق، تتحدث عن التعويضات. وأصبحت النوافذ المحطمة حدثًا قوميًا، وتحولت صفارات الإنذار إلى كابوس يومي لسكان كانوا يظنون أن الحرب لا تصل إليهم أبدًا، بل تبقى دائمًا بعيدة، خلف الحدود، أو فوق رؤوس الآخرين فقط.
أكثر من 32 ألف طلب تعويض قُدمت خلال أيام قليلة فقط، قبل أن يرتفع العدد لاحقًا إلى أكثر من 41 ألف طلب، في مشهد بدا للكثيرين وكأنه انهيار نفسي أكثر منه انهيارًا ماديًا. صواريخ إيران لم تسقط فقط على المباني، بل سقطت أيضًا على صورة الدولة التي طالما قيل إنها لا تنحني، فإذا بها تبحث وسط الركام عن شركات التأمين وصناديق التعويضات.
في تل أبيب، المدينة التي كانت تُقدم دائمًا باعتبارها القلب النابض للحياة الحديثة، تغير المشهد فجأة. الشوارع التي امتلأت يومًا بالموسيقى والمقاهي والوجوه الواثقة، أصبحت مليئة بأشخاص يرفعون رؤوسهم نحو السماء بخوف واضح، يراقبون أصوات الانفجارات البعيدة وكأنهم يسمعون لأول مرة صوت الحرب الحقيقي.
وفي حيفا وعسقلان وبئر السبع، كان المشهد أكثر غرابة؛ سيارات محترقة، واجهات زجاجية متناثرة، وشقق خالية بعدما غادرها أصحابها إلى الفنادق أو مراكز الإيواء المؤقتة، وكأن البلاد تستعد لشتاء طويل من القلق والخوف.
المفارقة التي بدت لافتة للكثيرين أن إسرائيل، التي لطالما تحدثت عن “القبة الحديدية” باعتبارها درعًا أسطوريًا لا يسمح للصواريخ حتى بالاقتراب، وجدت نفسها أمام واقع مختلف. بعض الصواريخ عبرت، وبعضها سقط، وبعضها ترك خلفه شوارع مدمرة وأحياء مرتبكة وسكانًا يهرعون نحو الملاجئ كلما دوّت صفارات الإنذار.
وهنا بدأت الأسطورة القديمة بالتصدع.
فالدولة التي كانت تبدو كأنها محصنة ضد الخوف، اكتشفت أن الخوف لا يحتاج دائمًا إلى دمار شامل، بل يكفي أحيانًا أن يهتز الزجاج في منتصف الليل حتى يشعر الناس أن العالم ينهار فوق رؤوسهم.
وسائل الإعلام الإسرائيلية تحدثت عن “أضرار هائلة”، بينما رأى كثيرون في المنطقة أن حجم الهلع كان أكبر من حجم الدمار نفسه. فبعض طلبات التعويض جاءت بسبب أضرار طفيفة نسبيًا: نوافذ تحطمت، سيارات تضررت، أو جدران أصابتها الشظايا. لكن داخل إسرائيل، بدا الأمر وكأنه زلزال تاريخي غير مسبوق.
هنا ظهر المشهد الأكثر سخرية: دولة تمتلك واحدة من أقوى الترسانات العسكرية في المنطقة، لكنها تدخل في حالة استنفار وطني بسبب زجاج متناثر وصفارات إنذار لم تتوقف.
الاقتصاد الإسرائيلي بدوره لم يكن بعيدًا عن الضربة.
شركات أغلقت أبوابها، مطارات تعطلت، الأسواق تراجعت، والسياحة أصيبت بالشلل المؤقت. حتى الحياة اليومية العادية أصبحت مرتبطة بالسؤال الأكثر تكرارًا: “أين أقرب ملجأ؟”.
ولأن إسرائيل تعرف جيدًا كيف تحول كل أزمة إلى ملف مالي ضخم، سارعت الحكومة إلى فتح أبواب التعويضات على نطاق واسع، وكأنها تحاول شراء الطمأنينة بالأموال.
لكن الحقيقة التي ظهرت بوضوح أن المال لا يستطيع دائمًا إصلاح صورة اهتزت أمام العالم.
وفي المستشفيات ومراكز الدعم النفسي، كانت هناك قصة أخرى تُكتب بعيدًا عن الصواريخ نفسها. آلاف الاتصالات من أشخاص يعانون من القلق والخوف والصدمة. أطفال يستيقظون على أصوات الانفجارات، وعائلات تقضي الليل في الملاجئ، وسكان لم يعتادوا أن يشعروا بأن الحرب قد تدخل غرف نومهم في أي لحظة.
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بدا أن الإسرائيلي العادي يعيش جزءًا بسيطًا من ذلك الخوف الذي عاشته شعوب كثيرة في المنطقة لعقود كاملة.
أما المشهد الأكثر رمزية، فكان ذلك التدافع الكبير نحو طلبات التعويض.
ففي كل زاوية تقريبًا، كان هناك شخص يحاول تسجيل خسارته: نافذة، سيارة، باب منزل، متجر صغير، أو حتى أضرار نفسية. وكأن البلاد بأكملها تحولت إلى طابور طويل أمام صندوق مالي ضخم يحمل عنوانًا واحدًا: “نريد تعويضًا عن الخوف”.
وربما هنا تكمن المفارقة الكبرى في الحكاية كلها.
إسرائيل التي لطالما قدمت نفسها كقوة لا تعرف الارتباك، ظهرت هذه المرة كدولة مذهولة من مجرد وصول الحرب إلى داخل مدنها. الدولة التي اعتادت أن ترى الدمار عبر شاشات الأخبار في أماكن أخرى، وجدت نفسها فجأة تتحدث عن إعادة الإعمار وترميم المباني وإيواء السكان وتعويض المتضررين.
وفي المقابل، كانت إيران ترى في الهجمات رسالة واضحة: أن السماء التي اعتادت إسرائيل أن تتحرك فيها بحرية لم تعد هادئة كما كانت. أما إسرائيل، فكانت تحاول أن توازن بين خطاب القوة من جهة، وحجم القلق الداخلي من جهة أخرى.
لكن الأرقام كانت تتحدث بوضوح أكبر من أي خطاب سياسي.
عشرات آلاف طلبات التعويض، مليارات الشواكل من الخسائر، وحالة خوف جماعي لم تستطع القبة الحديدية ولا التصريحات العسكرية أن تخفيها بالكامل.
في النهاية، لم تكن القصة مجرد صواريخ سقطت هنا أو هناك، بل كانت لحظة اصطدمت فيها الأسطورة بالواقع.
فالقلعة التي قيل يومًا إنها لا تهتز، اهتزت.
والدولة التي صدّقت طويلًا أنها بعيدة عن نيران المنطقة، اكتشفت أن النار حين تقترب، لا تسأل عن الشعارات ولا عن الأساطير، بل تترك الجميع أمام الحقيقة نفسها: لا أحد يبقى فوق الحرب إلى الأبد.

إرسال التعليق