التاريخ كما يرويه أهل الفقيد
محمد عبد الكريم يوسف
مقدمة
يحفل التراث الإنساني بأسئلة كبرى تتعلق بكيفية كتابة التاريخ ومن يمتلك سلطة الرواية. فالتاريخ، في
تصور سائد، هو ما يكتبه المؤرخون المحترفون اعتماداً على الوثائق والمصادر الرسمية. لكن ثمَّة تاريخاً
آخر، لا يقل أهمية، يعيش في ذاكرة العائلات، ويتناقل شفاهاً بين الأجيال، ويُروى في المجالس الخاصة،
وفي لحظات الفقد والحزن تحديداً. إنه التاريخ الذي تختزنه الأسر، وتنقله عن آبائها وأجدادها، وتستذكره
في مناسبات الموت كما في مناسبات الحياة. هذا التاريخ، الذي يمكننا أن نسميه “التاريخ كما يرويه أهل
الفقيد”، يمثّل نافذةً إنسانية على الماضي، تطلّ من خلالها علينا أصواتٌ كانت مهمَّشة أو مغيّبة في الرواية
الرسمية.
يهدف هذا البحث إلى استكشاف دلالات هذا المفهوم، وأبعاده المعرفية والمنهجية، من خلال دراسة
العلاقة بين التاريخ الشفوي، والذاكرة العائلية، والرواية التي تطلقها الأسر عن ماضيها، خصوصاً في
سياق الفقد والموت. وسنحاول الإجابة عن أسئلة مثل: كيف تُبنى الروايات التاريخية داخل الأسر؟ وما
دور الموت والفقيد في استحضار هذه الروايات وتدوينها؟ وكيف يمكن لهذه السرديات العائلية أن تشكّل
مصدراً مهماً لفهم التاريخ من “أسفل”؟
أولاً: مفهوم “التاريخ كما يرويه أهل الفقيد”: بين الدلالة اللغوية والمقصد المعرفي
تعبير “التاريخ كما يرويه أهل الفقيد” يحمل في طياته إيحاءً بوجود رواية خاصة، تختلف عن الرواية
التاريخية الرسمية، وهي رواية تنطلق من دائرة ضيقة: أسرة الفقيد، أي أقرب الناس إليه وأكثرهم معرفة
بتفاصيل حياته. فـ”أهل الفقيد” ليسوا مجرد شهود على حياة المتوفى، بل هم حَمَلَةُ ذاكرته، ومستودعو
أسراره، والمرآة التي تعكس تاريخه الخاص والعام.
يتقاطع هذا المفهوم مع ما يُعرف في الدراسات التاريخية بـ”التاريخ من الأسفل” (History from
Below)، الذي يولي اهتماماً للأصوات المهمشة والجماعات العادية، بعيداً عن سرديات النخب والملوك
والقادة. فـ”التاريخ كما يرويه أهل الفقيد” يعيد الاعتبار للرواية الشخصية والعائلية، ويجعل من حياة الفرد
وعائلته مادّة تاريخية خصبة، لا تقلّ قيمة عن الوثائق الرسمية. وهو في جوهره تاريخٌ حميمٌ، يتشكّل في
فضاءات خاصة: مجالس العزاء، ذكريات الطفولة، الحكايات التي تُروى عند القبر، أو في المناسبات
السنوية لذكرى الموتى.
ثانياً: التاريخ الشفوي والذاكرة العائلية: الإطار النظري
يُعرف التاريخ الشفوي بأنه “جمع ودراسة الأحداث الهامة والمعلومات التاريخية عن الأفراد والأسر، أو
الحياة اليومية باستخدام التسجيلات”. وهو يقوم على فكرة أن الذاكرة البشرية تحتفظ بأحداث وتفاصيل قد
لا تجد طريقها إلى الوثائق المكتوبة. وتكمن قيمته في كونه “تاريخاً حياً” شاهده وخبره شخص ما ويعيش
في ذاكرته. وتشير الدراسات إلى أن “الرواية الشفوية، عندما تتوفر، فإنها تثري الرواية التاريخية الموثقة
وتعطيها بعداً إنسانياً فيه آمال وآلام وشعور؛ وليس مجرد سرد للوقائع والأحداث بطريقة جافة”.
أما الذاكرة العائلية، فهي شكل من أشكال الذاكرة الجماعية، تنتقل داخل الأسرة عبر الأجيال، وتتشكّل من
خلال الحكايات والصور والوثائق الشخصية والطقوس. وتلعب الأسرة دوراً محورياً في تشكيل هذه
الذاكرة، إذ إنها “تخلق حياةً بعد الموت لأسلافها” (afterlives for their ancestors)، من خلال
الاستمرار في رواية قصصهم، وإحياء ذكراهم في المناسبات المختلفة. وفي هذا السياق، يصبح الموت
لحظةً فارقة في استدعاء التاريخ العائلي، إذ يدفع الفقد الأسرةَ إلى استحضار سيرة الفقيد، وربطها بسيرة
الأجداد، وتأطيرها ضمن الرواية العائلية الكبرى.
ثالثاً: الموت بوصفه لحظة تأريخية: استحضار الماضي في مجالس العزاء
للموت في الثقافة العربية والإسلامية طقوسه ومجالسه التي تتجاوز البُعد التعزِي إلى البُعد السردي.
فمجلس العزاء، في كثير من التقاليد، ليس مجرد مكان لتقديم المواساة، بل هو فضاء لاستذكار الفقيد،
ورواية سيرته، وتذكّر مآثره ومواقفه. وفي بعض الأعراف، كان الناس “يجتمعون عند أهل الميت”،
وكان الجيران يتولون تحضير الطعام لأهل الفقيد، مما يخلق فضاءً للتواصل والسرد الجماعي.
هذه المجالس تؤدي وظيفة تأريخية مهمة، فهي تتيح للأهل والأقارب والجيران تبادل الروايات عن الفقيد،
وتثبيت صورته في الذاكرة الجماعية. وفي هذا السياق، يصبح “أهل الفقيد” هم الرواة الرئيسيين، وهم
الذين يملكون السلطة الأخلاقية لرواية تاريخه، وتأويل حياته، وتحديد ملامح إرثه. وهذا ما يجعل
“التاريخ كما يرويه أهل الفقيد” تاريخاً انتقائياً، يسلّط الضوء على جوانب معينة من حياة الفقيد، وقد يُغفل
جوانب أخرى، وفقاً للقيم والمعايير السائدة في الأسرة والمجتمع.
رابعاً: دراسة حالة: “التاريخ كما يشتهيه أهل الفقيد” لبدر الحاج
من أبرز النماذج التطبيقية لهذا المفهوم، كتيّب الباحث بدر الحاج الصادر عام 2010 بعنوان “التاريخ
كما يشتهيه أهل الفقيد” (مع اختلاف يسير في الصياغة: “يشتهيه” بدل “يرويه”). جاء هذا الكتيّب (الذي
وُصف بأنه “ردّ موثق ومفحم”) ردّاً على كتاب المؤرخ البريطاني باتريك سيل (Patrick Seale) عن
رياض الصلح، أحد أبرز رجالات الاستقلال في لبنان.
يكشف عنوان الكتيّب عن إشكالية كبرى في كتابة التاريخ: كيف يُكتب تاريخ الشخصيات العامة؟ هل
يكتبه المؤرخون المحايدون بناءً على الوثائق؟ أم أن أقرباء الفقيد وأسرته يملكون رواية مختلفة، بل وربما
“يشتهون” أن يُروى التاريخ بطريقة معينة تخدم صورة الفقيد وتُجمل سيرته؟ فالعنوان يحمل نقداً ضمنياً
للروايات التي تقدمها الأسر عن آبائها، مشيراً إلى أن هذه الروايات قد تكون مشبعة بالرغبات
والانحيازات، وأنها تعكس “ما يشتهيه” أهل الفقيد لا ما حدث بالضرورة.
يتناول الحاج في كتيّبه تفنيد مزاعم سيل حول رياض الصلح، معتمداً على وثائق ومصادر لم يستخدمها
المؤرخ البريطاني. ويُظهر النقاش كيف أن رواية العائلة (أو رواية المقربين من الصلح) تختلف جوهرياً
عن رواية المؤرخ الأجنبي، وكيف أن كل طرف يقرأ التاريخ من زاويته الخاصة. وهذه الحالة تعكس
صراعاً بين “تاريخ المؤرخين” و”تاريخ أهل الفقيد”، وتطرح تساؤلات حول الموضوعية والانحياز في
كتابة التاريخ.
خامساً: إشكاليات المنهج: بين الذاكرة والموضوعية
رغم القيمة الكبيرة للتاريخ الشفوي والروايات العائلية، فإنها تطرح إشكاليات منهجية عديدة، منها:
- ضعف التوثيق: فالتاريخ الشفوي “يعتمد بشكل كبير على نقل الروايات المتوارثة جيلاً بعد جيل،
وغالباً ما تكون هذه الروايات غير موثقة بشكل علمي دقيق”. وهذا يجعل التحقق من دقتها أمراً
صعباً. - الانتقائية والتحيز: تميل الروايات العائلية إلى إبراز الجوانب الإيجابية في سيرة الفقيد، وتهميش
الجوانب السلبية أو المثيرة للجدل. وهذا ما يشير إليه عنوان “التاريخ كما يشتهيه أهل الفقيد”، حيث
تعكس الرواية رغبات الأسرة وتصوراتها المثالية. - تأثير الزمن والنسيان: مع مرور الزمن، تتشوه الذاكرة، وتختلط التفاصيل، وتتداخل الأحداث، مما
يؤثر على دقة الرواية. - الصراع بين الروايات: قد تتعارض رواية أسرة الفقيد مع روايات أسر أخرى، أو مع الوثائق
الرسمية، مما يطرح إشكالية الترجيح بين المصادر.
ورغم هذه الإشكاليات، يبقى التاريخ الشفوي والروايات العائلية مصدراً لا غنى عنه لفهم الأبعاد الإنسانية
والاجتماعية للأحداث التاريخية. فالتاريخ، كما يرى العديد من المنظرين، ليس مجرد وقائع جامدة، بل هو
بناء سردي يتشكّل وفقاً لمنظور الراوي وسياقه الثقافي والاجتماعي.
خاتمة
يمثّل “التاريخ كما يرويه أهل الفقيد” مقاربةً لفهم التاريخ من زاوية الذاكرة العائلية والرواية الشفوية. إنه
يعيد الاعتبار للأصوات الخاصة، ويُبرز دور الأسرة في تشكيل الذاكرة التاريخية ونقلها. وفي عصر
تهيمن فيه الروايات الرسمية والإعلامية، تبقى هذه الروايات العائلية مساحةً للحفاظ على التاريخ
الحميمي، وإنسانية الأحداث، وتنوع المنظورات.
لكن هذا التاريخ ليس بديلاً عن التاريخ الأكاديمي الموثق، بل هو مكمل له ومثري له. والمطلوب من
الباحثين تطوير مناهج نقدية للتعامل مع هذه الروايات، تستوعب قيمتها وتضع حدودها، وتوازن بين
الاحترام للذاكرة العائلية والدقة العلمية في التحقيق والتمحيص. فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يكتبه
المؤرخون وحدهم، بل يكتبه الناس في ذاكرتهم، وفي حكاياتهم، وفي مجالس عزائهم، حيث يظل الموتى
أحياءً في كلمات من يحبونهم.
قائمة المراجع
- بدر الحاج، “باتريك سيل أو التاريخ كما يشتهيه أهل الفقيد”، جريدة الأخبار، عددا 14 و15
حزيران 2010. - “التاريخ الشفوي والبُعد الإنساني”، مركز بديل.
- “التاريخ الشفوي”، ويكيبيديا العربية.
- “الإطار النظري للرواية الشفوية: ثلاث ناجيات من النكبة”، مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
- Deirdre Nuttall, “Old wounds: bringing dark family stories into the
light”, RTÉ, 2023. - “New book explores the enduring presence of the dead in family
life”, University of Leeds, 2025. - “Oral History and Orality”، ASJP.
- “مشروعية الاجتماع عند التعزية بلا كرنفال”، جريدة الصحراء، 2022.



إرسال التعليق