تجربتي مع الذكاء الاصطناعي… بين أناقة النص ودفء الإنسان
رشيد مصباح (فوزي)
بدأتُ الكتابة قبل ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي وانتشاره الواسع، ولذلك عشتُ تجربة الكتابة في زمن كان الكاتب فيه يعتمد على نفسه في كل شيء تقريبًا: يبحث عن الفكرة، وينتقي الكلمات، ويعيد صياغة الجمل، ويحذف ويضيف، ثم يعود إلى النص مرة بعد أخرى حتى يشعر أنه أصبح قريبًا مما يريد.
كانت الكتابة تأخذ وقتًا وجهدًا، ثم جاء الذكاء الاصطناعي، ووجدتني أمام أداة تستطيع في ثوانٍ أن تقوم بأشياء كنت أحتاج من أجلها إلى وقت طويل. أضع أمامه نصًّا أوّليًا، فيعيد ترتيبه، ويصحّح أخطاءه، ويقترح عبارات أكثر سلاسة، ويكشف التكرار، وأحيانًا يفتح أمامي زاوية لم أكن قد انتبهت إليها.
ومن هذه الناحية، لا أستطيع أن أنكر فضله.
لقد أصبح الذكاء الاصطناعي بالنسبة إليّ أداة تساعدني على تنظيم الوقت ومراجعة النص وتطويره، وليس من الحكمة أن يرفض الكاتب الاستفادة من وسيلة يمكن أن تجعله أكثر قدرة على إنجاز عمله.
لكن مع مرور الوقت بدأت ألاحظ شيئًا آخر.
أحيانًا يكون النص الذي تقترحه الآلة أجمل من النص الذي كتبتُه، وأكثر ترتيبًا وإحكامًا، ومع ذلك أشعر أنه فقد شيئًا ما.
فالنص قد يكون أنيقًا، لكنه ليس بالضرورة حيًّا.
وهنا بدأت أفكر في الفرق بين أن تساعدني الآلة على الكتابة، وبين أن تكتب بدلًـا مني.
الآلة تحسّن النص… ولكن هل تمنحه روحه؟
لكل كاتب طريقته في التعبير؛ مفرداته، وإيقاع جمله، وصوره، وذكرياته، وحتى بعض أخطائه التي قد تصبح جزءًا من صوته.
عندما أكتب عن تجربة عشتها، فأنا لا أصفها فحسب، وإنما أستحضرها. أما الذكاء الاصطناعي فيستطيع أن يصوغها بطريقة بليغة جدًا، لكنه لا يعيشها كما يعيشها الإنسان.
وهذا هو الفارق الذي أحرص، ككاتب، على ألّـا أفقده في كتاباتي.
حين تصبح النصوص متشابهة
ما جعلني أكثر انتباهًا إلى هذه المسألة هو ما أثير حول دراسات تشير إلى أن الاستخدام الواسع لنماذج الذكاء الاصطناعي قد يدفع الكتابة البشرية نحو أنماط أكثر تشابهًا.
وهذا أمر يمكن فهمه بسهولة؛ فإذا طلب ملايين الأشخاص من النماذج نفسها إعادة صياغة نصوصهم، فمن الطبيعي أن تتقارب الأساليب والتعابير.
قد نحصل على نصوص أكثر سلامة وأناقة، لكننا قد نخسر شيئًا من التنوع الذي يمنح الكتابة الإنسانية جمالها.
وأنا هنا لا أتحدث عن خطر نظري بعيد، بل عن شيء أستشعره كلما قارنتُ بين نص كتبته من تجربتي، ونص صيغ بطريقة آلية كاملة.
الأول قد يكون أقل كمالًـا من الناحية اللغوية، لكنه يحمل أثر صاحبه.
أما الثاني فقد يكون شديد الإتقان، لكنك أحيانًا تشعر أن فيه”برودة“ آلة لا إنسانًا.
إنه أداة قويّة جدًا، ويمكن أن يكون شريكًا مفيدًا إذا عرفنا كيف نستخدمه، لكن علينا أن نتذكّر دائمًا أن أناقة النص شيء، ودفء الإنسان شيء آخر.
فما يجعل النص جديرًا بالقراءة ليس خلوّه من العيوب، وإنما أن يشعر القارئ، وهو يتنقل بين كلماته، بأن إنسانًا حقيقيًّا كان هنا.



إرسال التعليق