ماذا تقول نبوءات حزقيال عن اسرائيل و مستقبل اليهود ؟

نبوءات حزقيال خارطة طريق للكيان الإسرائيلي!!

سماك العبوشي

الحمدلله تعالى أنني على قدر كبير من الوعي والعلم بمخططات الكيان الإسرائيلي الشيطانية التي تجري أمام أعيننا نحن العرب والمسلمين، تلك المخططات التي وردت في أسفار مُحَرّفة لأشعياء وحزقيال، هي في حقيقتها مجرد تنبؤات لهما كانت قد سُطّرَت قبل 2500 سنة في كتب هي أقرب ما تكون للأساطير، ثم جاء الآن من يدعي أنه من أحفادهما فاستثمرها وجعلها خارطة طريق له لتنفيذ مخططاته في منطقتنا العربية معتبرا إياها وعدا إلهيا له، والمؤسف في الأمر أن كل مخططاتهم تجري أمام أعيننا، غير مكترثين لها، غير مدركين لخطورتها على مستقبلنا جميعا!!

لقد آليت على نفسي وقطعت عليها أن أمارس “جهاد الكلمة” لنشر الوعي وزيادة الفطنة إزاء ما يحاك لنا نحن العرب والمسلمين، وبغية دق جرس التنبيه والحذر وتسليط الأضواء على خطورة ما يجري هذه الأيام من حولنا، فإنني سأتناول مصر تحديدا (كبرى البلدان العربية وإحدى دول المواجهة) وما ذكر بخصوصها في هذه الأسفار، وكيف استثمرت قادة الكيان الإسرائيلي هذه النصوص لغرض إضعاف مصر وتقزيم دورها وتهميشها (كما نلمسه في وقتنا الراهن)، وبالتالي ليخلو الجو للكيان الإسرائيلي لتنفيذ مشاريعه ومخططاته تلك بكل اريحية ويسر!!، ولكي يصل مقالي هذا الى مبتغاه وهدفه، فإنني – كعادتي – أجزئه الى محاور، بدء بالمحور الأول المتضمن ذكر الآيات (8-12) من إصحاح حزقيال والتي تحدثت عن خراب يعم مصر ونفيها 40 سنة، وكيف فسرها علماء كتابهم (المقدس!!)، ثم أنتقل الى محور آخر يتضمن سردا موجزا عن أوضاع مصر في فترة العنفوان والمد القومي العروبي، وانتهاء بالمحور الثالث المتمثل بحالة الترهل والضعف والوهن الذي تتسم فيه مصر في أيامنا هذه وكيف استفاد الكيان الإسرائيلي من حالة الترهل والضعف المصري هذه!!

المحور الأول (نبوءات حزقيال بخصوص مصر):
لقد تنبأ حزقيال بقدوم السيف على مصر، وإبادة الناس والبهائم، وتحول الأرض إلى خراب ومقفرة من “مجدل إلى أسوان” (من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب)، ويذكر النص تحديداً أن الأرض ستظل غير مسكونة لمدة أربعين سنة، ويتشتت المصريون بين الأمم، ولقد فسر علماء الكتاب المقدس (مثل القمص تادرس يعقوب ملطي، وبنيامين بنكرتن، وغيرهم) هذا الإصحاح عبر عدة أبعاد:
1- التفسير التاريخي لهذه النبوءات:

  • الكبرياء والانهيار: كانت مصر تمثل القوة العظمى والاعتزاز بالذات والاعتماد على نهر النيل كمصدر للحياة والتحصين الطبيعي، تشبيه فرعون بالتمساح يشير إلى التمركز حول الذات والكبرياء الإنساني الذي يقاوم الله.
  • تحقق النبوة: تحقق هذا تاريخياً عندما غزا نبوخذ نصر مصر نهائياً بعد سقوط أورشليم وسقوط صور، حيث نهب ثرواتها وأذل كبرياءها العسكري.
  • رقم 40 سنة: لا يُؤخذ الرقم دائماً بالدقائق الزمنية الحرفية في العهد القديم، بل يرمز تاريخياً إلى فترة جيل كامل من الذل والتأديب والابتعاد عن الساحة الدولية كقوة عظمى سيادية، وهي المدة التي عاصرت صعود الإمبراطورية البابلية ثم سقوطها قيام الدولة الفارسية (كورش الكبير) التي سمحت للشعوب بالعودة.
    2- التفسير الروحي والرمزي لهذه النبوءات:
  • مصر كرمز للعالم أو الجسد: في التفسير الرمزي المسيحي، كثيراً ما ترمز مصر إلى “العالم” أو “الاتكال على الذراع البشري”.
  • عكاز القصب: يمثل درساً روحياً قاطعاً بعدم الاتكال على القوى الزمنية أو الخطية لحماية الإنسان، الخطية والتحالفات الأرضية تعد بالحماية لكنها “تنكسر وتجرح كتف” من يستند إليها، تماماً كما خذل الفراعنة ملوك يهوذا (مثل صدقيا) في مواجهة بابل.
  • المملكة الحقيرة (المتواضعة): ضرب كبرياء مصر وتحويلها إلى مملكة ضعيفة لم يكن بهدف إبادتها نهائياً، بل لـ “كسر كبريائها” حتى تعرف الرب.
    التواضع هنا هو بداية الشفاء الروحي، وهو ما يمهد لاحقاً لنبوات أخرى (مثل إشعياء 19) تتحدث عن مباركة مصر ودخولها في الإيمان (“مبارك شعبي مصر”).

المحور الثاني: مصر الريادة العربية ومشروعها القومي:
كانت جمهورية مصر العربية في عهد جمال عبدالناصر (رحمه الله) المركز القيادي والقلعة الحصينة للمشروع القومي العربي وحركات التحرر الوطني في الشرق الأوسط وأفريقيا، ولم يكن هذا النفوذ مجرد شعارات سياسية، بل تُرجم عبر خطوات استراتيجية ومؤسسية ملموسة جعلت من القاهرة “عاصمة القرار العربي” والمتمثل في:
1- الدعم العسكري والمادي لحركات التحرر العربي:
فتحت مصر أبوابها ومخازن سلاحها لدعم أي حراك عربي يسعى للتخلص من الاستعمار:

  • الثورة الجزائرية: كانت مصر القلعة الخلفية والداعم الرئيسي لجيش التحرير الوطني الجزائري بالمال والسلاح والدبلوماسية، مما جعلها هدفاً مباشراً للعدوان الثلاثي عام 1956 من قِبل فرنسا وبريطانيا والكيان الإسرائيلي.
  • ثورة يوليو في اليمن (1962): أرسلت مصر أكثر من 70 ألف جندي مصري إلى اليمن لدعم الثورة الجمهورية ضد الحكم الإمامي المدعوم من القوى الإقليمية الغربية والملكية، كخطوة لتأمين عمق إستراتيجي في شبه الجزيرة العربية.
  • حركات التحرر الأخرى: احتضنت القاهرة المكاتب السياسية لحركات التحرر في تونس، والمغرب، وعُمان، وجنوب اليمن (عدن)، وقدمت الدعم لثورة تموز 1958 في العراق وثورة الفاتح في ليبيا 1969.
    2- القيادة السياسية والمشاريع الوحدوية:
  • الجمهورية العربية المتحدة (1958 – 1961): تجسد الحلم القومي عملياً في إعلان الوحدة الاندماجية الكاملة بين مصر وسوريا، ورغم فشل التجربة لاحقاً بسبب الانفصال، إلا أنها ظلت المحاولة الوحدوية الأكثر جديّة وضخامة في التاريخ العربي الحديث.
  • تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية (1964): رعت مصر تحت مظلة الجامعة العربية في القاهرة تأسيس المنظمة لتكون الكيان السياسي والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، مع تقديم الدعم العسكري لجيش التحرير الفلسطيني.
    3- كسر الاحتكار الغربي وتبني “الحياد الإيجابي”:
  • صفقة السلاح التشيكية (1955): كانت مصر أول دولة عربية تكسر احتكار الغرب (أمريكا وبريطانيا وفرنسا) للسلاح في المنطقة بجرأة، وتتجه للكتلة الشرقية (الاتحاد السوفيتي)، مما ألهم دولاً عربية أخرى لتبني نفس النهج التحرري.
  • تأسيس حركة عدم الانحياز: قاد عبد الناصر بالتعاون مع قادة مثل تيتو (يوغوسلافيا) ونهرو (الهند) خطاً دولياً يرفض التبعية للمعسكرين الكبار، مما منح الدول العربية صوتاً مستقلاً في السياسة الدولية.
    4- تأميم المشاريع القومية كنموذج:
  • تأميم قناة السويس (1956): اعتُبر استرداد القناة تحدياً غير مسبوق للإمبريالية الغربية، وبخروج مصر منتصرة سياسياً من العدوان الثلاثي، ترسخت مكانة عبد الناصر كزعيم أوحد للأمة العربية، وأثبت للشعوب العربية أن الإرادة الوطنية قادرة على هزيمة القوى العظمى.
  • بناء السد العالي والتنمية المستقلة: طرحت مصر نموذج “الاشتراكية العربية” المعتمدة على التصنيع الثقيل وتوزيع الأراضي على الفلاحين (الإصلاح الزراعي)، وهو النموذج الذي استنسخته لاحقاً أنظمة عربية عديدة (كالعراق وسوريا وليبيا والجزائر).

المحور الثالث: (انكماش وتقزم دور مصر العروبي والافريقي):
منذ رحيل جمال عبدالناصر من المشهد العربي، فقد توالى على قيادة أرض الكنانة حكام بدأ أولهم بإبرام اتفاقية كامب ديفيد على عهد السادات، مرورا بمن ردد على لسانه عبارته الشهيرة (المتغطي بالأمريكان عريان!!)، وصولا الى آخر حكامها عبدالفتاح السيسي، والتي تحولت مصر في عهده إلى أحد أكبر المقترضين عالمياً من صندوق النقد الدولي والاعتماد الكثيف على الودائع والاستثمارات الإنقاذية من دول الخليج (مثل صفقة رأس الحكمة)، فرغم امتلاك مصر لترسانة عسكرية ضخمة ومصنفة عالمياً، إلا أن القيود المالية وثقل الديون وأعباء الفوائد يحدّان من قدرتها على اتخاذ مواقف سياسية وخارجية تحمي الامن القومي العربي ومصالحه، مما يجعل حركتها متسقة مع التوازنات الدولية الحاكمة.
كيف استفاد الكيان الإسرائيلي من هذه التغييرات؟

لقد استغل الكيان الإسرائيلي التحولات التي طرأت على طبيعة الأزمات الاقتصادية والديون المصرية لتحقيق تفوق إستراتيجي مريح عبر عدة أبعاد:
1- تحول مصر من “اقتصاد الحرب” إلى “الارتباط بالنظام المالي العالمي”:
عندما تحولت ديون مصر إلى التزامات تجاه صندوق النقد الدولي وأسواق المال العالمية ودول الخليج، أصبح استقرار مصر الاقتصادي مرهوناً بالاستقرار السياسي الإقليمي والالتزام بالاتفاقيات الدولية والمعاهدات (وعلى رأسها كامب ديفيد)، فأعاد الكيان الإسرائيلي قراءة هذا المشهد بارتياح؛ وأدرك أن الدولة المثقلة بالديون والملتزمة ببرامج إصلاح هيكلية دولية لا يمكنها المجازفة باتخاذ مواقف عسكرية أو تصادمية غير محسوبة قد تؤدي إلى انهيار تصنيفها الائتماني أو هروب الاستثمارات الأجنبية!!.
2- تحول أوراق الضغط الاقتصادي لخدمة مصالح إسرائيل (ملف الغاز والتبادل التجاري):
في العهد الحالي، وبغية الخروج من أزمات النقد الأجنبي وشح الدولار، فقد اتجهت مصر لتأسيس “منتدى غاز شرق المتوسط” وبدأت في تسييل واستيراد الغاز الإسرائيلي لإعادة تصديره إلى أوروبا بعد إسالة الغاز في المحطات المصرية، فتحول الكيان الإسرائيلي من كيان محاصر اقتصادياً من جيرانه في عهد عبد الناصر، إلى مُصدّر حيوي لمصدر طاقة رئيسي لمصر، مما خلق شبكة مصالح اقتصادية معقدة ومتبادلة تجعل من استمرار التعاون مع تل أبيب ضرورة لتأمين بعض التدفقات النقدية ومصادر الطاقة، وهو ما يمنح الكيان الإسرائيلي أوراق ضغط دبلوماسية ناعمة داخل أروقة القرار المصري.!!
3- تقليص الإنفاق العسكري الإسرائيلي على الجبهة الجنوبية:
مع تحول الأولويات المصرية نحو تسديد أعباء الفوائد (التي تلتهم نحو 10.6% من الناتج المحلي الإجمالي المصري حالياً) وإدارة الأزمة المالية الداخلية، فقد اطمأن الكيان الإسرائيلي تماماً إلى أن الجبهة السينائية هي جبهة دفاعية محيَّدة، فكان من نتائج هذا:

  • وفّر هذا التحول على الخزانة الإسرائيلية مليارات الدولارات التي كانت تُنفق تاريخياً لتأمين حدودها الجنوبية الشاسعة!!.
  • أتاح ذلك للكيان الإسرائيلي التفرغ العسكري الكامل والتفوق النوعي لمواجهة جبهات أخرى دون القلق من وجود جيش عربي نظامي ضخم على حدودها يمتلك عقيدة هجومية.!!
    4- توظيف واستغلال الحاجة المصرية للدعم الدولي والأمريكي:
    لا يخفى على أحد حاجة مصر المستمرة إلى دعم الولايات المتحدة والقوى الغربية لضمان تدفق حزم المساعدات اليها، وتسهيل قروض صندوق النقد الدولي، والحفاظ على تدفقات الاستثمار، فكان أن أدركت تل أبيب أن مفتاح الرضا السياسي والاقتصادي الأمريكي والغربي يمر عبر بوابتها؛ وبالتالي يستفيد الكيان الإسرائيلي من حاجة مصر للمرونة الدولية لتضمن بقاء الدور المصري دوراً “وسيطاً وعقلانياً” وصمام أمان لمنع الانفجار الكامل في قطاع غزة، وإحكام السيطرة الأمنية على الأنفاق في سيناء، بما يخدم الأمن القومي الإسرائيلي بشكل مباشر دون أن يتكفل الكيان الإسرائيلي أي أعباء مالية أو عسكرية جراء ذلك.!!

خلاصة المقال وزبدته:
لم يعد المشروع الصهيوني مجرد طموح سياسي فحسب، بل تنفيذ حرفي لما ورد في إصحاح حزقيال، تلك النبوءات والأساطير التي وضعت في كتاب قبل 2500 سنة، وجاء الآن أحفاد حزقيال (أو من يدعي انتسابه له!!) وراح ينفذها بحذافيرها ويجعلها واقعا نراه يتحقق يوما بعد يوم، فها هي قوات الاحتلال الإسرائيلي وقطعان مستوطنيه يعبثون في الضفة الغربية عموما والقدس التي يجري تهويدها تحديدا دون ردة فعل عربية وإسلامية، ولقد وضحنا آنفا كيف استثمر قادة الكيان الإسرائيلي ما ورد في هذا الإصحاح الخاص بمصر، واستطاعوا إسقاط مصر تدريجيا بدون قتال ولا حرب من خلال ازماتها الاقتصادية بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد!!.

عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
“يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا”، فقال قائل: ومِنْ قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: “بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ”، فقال قائل: يا رسول الله، وما الْوَهْنُ؟ قال: “حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ” (رواه أبو داود).
22 / آب / أغسطس / 2026

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك