هل بدأ عصر الدولة العراقية
هل بدأ عصر الدولة العراقية
د. صلاح الصافي
يرجع تأسيس الدولة العراقية الحديثة إلى عام 1921 في جملة أحداث دولية، وداخلية، سياسية وعسكرية،
ساهمت في ذلك التأسيس، وقد تكون هي أيضا السبب في رمزية ذكرى التأسيس، إلا أن العراق الكيان
السياسي والجغرافي كما تشير كتب التاريخ شهدت أرضه استيطان عدد من الحضارات العراقية كالحضارة
السومرية، والبابلية والكلدانية، وكان مركزا للخلافة الإسلامية في عهد الإمام علي (ع) في مدينة الكوفة،
وكذلك مركزاً للدولة العباسية في مدينة بغداد، ومن ثم للدولة البويهية والدولة العثمانية.
وقد نجد تقابل في الأهمية العالمية لحضارات العراق القديمة حضارات تاريخية عريقة في دول أخرى
كحضارة وادي النيل في مصر والحضارة اليونانية والحضارة الرومانية في الغرب والحضارات الفينيقية
في بلاد الشام، وحضارة حضرموت القديمة في اليمن الحالية.
ساهم العنصر الخارجي المتمثل في الجانب السياسي والعسكري البريطاني لدى احتلاله للعراق كجزء من
حالة التنافس مع الدول الغربية على بلدان العالم الإسلامي وعلى أنقاض الدولة العثمانية، وقد وضعت
بريطانيا الدولة العظمى القوية آنذاك كيان الدولة الحالي من الناحية الجغرافية شمالاً وجنوباً من خلال
الاتفاقات السياسية مع الطرفين الحدوديين الكبيرين للعراق هما تركيا الكمالية، وإيران الشاهنشاهية..
وكان لـ بريطانيا الدور الأكبر في قيام النظام السياسي آنذاك وإقراره بالدستور الوضعي، وحاولت أن
تؤسس لحياة سياسية قائمة على الانتخابات البرلمانية في اختيار السلطة التنفيذية المتمثلة في رئيس الوزراء،
في حين كان على رأس الدولة الملك وهي تجربة تشبه إلى حد كبير النظام السياسي في بريطاني، وهذه
الحالة كانت سمة الدول الغربية في مناطق تنافسها.
وقد كرس النظام الملكي الاقطاعية وبقي الجوع والجهل هو السائد، وبعد سقوط هذا النظام وحلول النظام
الجمهوري غار البلد في الدكتاتورية العسكرية وتأليه القائد حيث جمع عبد الكريم قاسم جميع السلطات بيده
فجمع السلطة التشريعية والتنفيذية بيده، وسقط على يد البعثيين الذي لم يستمر حكمهم إلا أشهر وسقطوا على
يد القوميين واستمر الحال والهدف الحفاظ على السلطة والتي اتقنها البعثيون بعد استلامهم للسلطة سنة
1968، وهنا بدأ التأسيس للحفاظ على السلطة بالقسوة من خلال توزيع المناصب لأفراد العشيرة وابعاد
الكفاءات وبدأ التأسيس الحقيق للفساد في العراق، فتم توزيع الرتب لأقارب لا يملكون أي مؤهل وكل من
يريد أن يطلع على هذا الزمن عليه أن يطلع على بعض الأسماء مثل حسين كامل أو علي حسن المجيد
ناهيك عن عدي وقصي صدام وغيرهم الكثير إضافة للحروب العبثية التي خاضها رئيس النظام وما أنتجت
من آثار كارثية في موضوعة الفساد.
وبعد الأحداث الدراماتيكية من خلال اسقاط النظام البعثي على يد القوات الأمريكية وتأسيس نظام
محاصصاتي فوضي باسم الديمقراطية، وأصبحت المحاصصة هي البناء الأساس للفساد الذي نخر جسد
العراق حتى وصل البلد لحد الانهيار.
ومنذ 2003 وحتى تسنم الزيدي رئاسة مجلس الوزراء سيطر الفساد على مفاصل الدولة وكانت لسطوة
مكاتب اقتصاديات الأحزاب اليد الطولى في ذلك، وكانت فترة السوداني فترة انتعاش الفساد حيث منح
استثناءات بكل الاتجاهات حتى أصبح البلد في حالة لا يستطيع دفع الرواتب لموظفيه.
نجح البرلمان العراقي، في 14 مايو/ أيار الماضي، الثقة لحكومة علي الزيدي ومنهاجها الوزاري، وبعد
استلام السلطة وبالتعاون مع القضاء العراقي شرع بمكافحة الفساد بعيداً عن الفاسد ولمن ينتمي سواء كان
رئيس كتلة أو زعيم أو كان موظفاً، وكشفت المائة يوم السابقة أن حكومة الزيدي تحركت ضمن ملفات ثقيلة
وجازفت بفتح أبواب سياسية وأمنية مغلقة، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة تحويل هذه التحركات إلى نتائج
ملموسة يشعر بها المواطن، رغم أن مشاهد وصور مليارات الدنانير التي اعترف عشرات المسؤولين
بسرقتها واختلاسها لكن الأمل انتعش لدى المواطنين بأن ما تقوم به حكومة الزيدي هو بداية للقضاء على
الفساد وبداية لعصر بناء دولة حقيقية ونحن معهم بالانتظار لنرى عراقاً مؤسساتياً بعيداً عن المحاصصة.



إرسال التعليق