المسجد الشامل الجامع…لاحتضان 1000 طائع وإطعام 10 الآف كادح وعاطل وجائع
قال تعالى: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) ، سورة الإنسان : 8
أحمد الحاج مكتبجي
قبل أيام وبينما كنت في طريقي لمتابعة آخر مستجدات تأهيل وإعمار شارع الرشيد كجزء من أنشطة وتبعات فعاليات بغداد عاصمة للسياحة العربية 2025 م، وما تزال مستمرة حتى يومنا هذا برغم انقضاء الفعالية وانتصاف العام الذي تلاه 2026م لتطوير هذا الشارع المهم والحيوي النابض بالتراث والتاريخ والحياة ، وبينما كانت أشعة الشمس التموزية اللاهبة تكفي لقلي البسطرمة بالبيض،ومثلها إعداد أطباق الطماطم بالدهن، والمخلمة،زيادة على – تخدير – الشاي ومن دون الحاجة الى أي مصدر حراري يذكر ،صدح أذان الظهر من منارة جامع المرادية الأثري العريق وبصوت عذب عراقي رقراق يأسر القلوب ، ويشنف الأسماع ، ويخلب الألباب، وما إن انتهت الصلاة الهادئة الخاشعة الجميلة حتى فرحت جذلا بمنظر طابور في غاية التنظيم اصطف فيه الكادحون والعاطلون والمتعففون والمشردون زيادة على الفقراء والمساكين من أبناء المنطقة التراثية القديمة وهم يتسلمون تباعا وبعلب نظيفة وأنيقة، طعام الغداء مع قناني اللبن الشنينة الباردة والخبز الحار بكل محبة ومودة واحترام وتقدير من”المطبخ الخيري” التابع الى جامع المرادية الواقع قرب الباب الفرعي الثاني في أقصى يمين الجامع والكل يحمد الله تعالى ، ويثني على إدارة المسجد كل خير ، ويدعو للمحسنين والمتبرعين من حر مالهم إما عينا ،وإما نقدا ليظل المطبخ الخيري عامرا ومفتوحا طوال العام يقدم خدماته ووجباته كل يوم اثنين وخميس ظهرا ، إضافة الى وجبة الفطور اليومية طوال شهر رمضان الفضيل وذلك في تجربة إنسانية لها ما يناظرها في جامع الشيخ عبد القادر الجيلاني ، وجامع معروف الكرخي ، وجامع أبي حنيفة النعمان ، وفي كل واحد من الأوليين مطبخ خيري يعد أحدهما المطبخ الخيري الأقدم في العالم ويحمل اسم الشوربخانة، وأما المطبخ الخيري الرمضاني الذي يوزع وجبات الفطور ويقيم موائد الرحمن المجانية طيلة الشهر الفضيل بكل ود وحب واحترام الى جوار الحضرة الحنفية ، فهذا أشهر من نار على علم تتقاطر إليه جموع الصائمين والمصلين بالمئات ومن كل حدب وصوب قبيل موعد الإفطار يوميا .
كذلك الحال مع المطبخ الخيري الملحق بجامع الشيخ معروف وكلها من صدقات المحسنين، ومن تبرعات الخيرين ، وعلى منوالها “جامع السليمانية الكبير” أو جامع “كاك احمدي شيخ” بمحافظة السليمانية، والذي درج على الإطعام الخيري المجاني منذ عام 1820 م وذلك بناء على وصية الشيخ الفاضل الذي يحمل الجامع اسمه يوم عصفت بالبلاد أزمة اقتصادية حادة استدعت تحركا شعبويا للحد من تداعياتها،حيث يقدم المطبخ المجاني الملحق بالجامع اليوم أكثر من 4000 وجبة إفطار يومية متكاملة طيلة الشهر الفضيل،مقابل 1500 وجبة غداء في سائر الأيام للمتعففين والكادحين والمعوزين والعاطلين طوال العام،بعضها توزع بين موائد المطعم الخيري الملحق بالجامع،وبعضها توزع للعوائل والأفراد خارجه،كل ذلك بصرف النظر عن قومياتهم ودياناتهم وطوائفهم !
هنا وفي هذه اللحظة المباركة ولجت الى الجامع جنازة محمولة على الأكتاف قادمة من مدينة الطب القريبة وإذا بحملة النعش يتوجهون الى – المغسل المجاني- في أقصى يسار الجامع الخلفي لتغسيل المتوفى وتكفينه وتجهيزه قبل أداء صلاة الجنازة عليه في الحرم الخارجي للجامع ،والكل يحمد الله تعالى ، ويشكر ادارة الجامع ، ويثنون على جهود المتبرعين والمحسنين والمتصدقين بالأكفان والنعوش والقطن والسدر والكافور إلى هذا المغسل المجاني ، وله ما يناظره في جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني كذلك .
ولم أكد أخرج من الجامع حتى وقع بصري على المركز القرآني الإقرائي المجاني الواقع في الجهة الأمامية اليسرى للجامع لتعليم وتحفيظ القرآن الكريم لأبناء المنطقة …
ولم يتبق – وهذا ما أتمناه من كل قلبي على ادارة الجامع المبارك – وكل الجوامع الكبيرة الأخرى في أرجاء المعمورة ، غير افتتاح عيادة خيرية مجانية صغيرة مع صيدلية مجانية ملحقة بها لتمارس عملها في علاج المرضى المتعففين بين صلاتي العصر والمغرب ، وبواقع يوم واحد في الاسبوع على الاقل يشرف عليها – تطوعا – أطباء من مختلف الاختصاصات على أن يخصص كل يوم منها لحالات مرضية محددة ،الأسبوع الأول لأمراض الباطنية والقلبية، الأسبوع الثاني لأمراض الأنف والأذن والحنجرة ، الأسبوع الثالث لأمراض العيون ، وهكذا دواليك ..كما أتمنى على ادارة الجامع المبارك وهذه موصولة الى كل أئمة وخطباء المساجد المركزية والتراثية والمناطقية الكبيرة ،افتتاح مكتبة مجانية مكيفة تملأ رفوفها المراجع والمصادر القديمة والحديثة التي يتبرع بها الورثة والمحسنون والمخصصة لطلبة الدراسات الأولية والعليا في علوم الآلة والغاية والتاريخ والأدب العربي والتراث،بين التاسعة صباحا والثالثة عصرا …
كما أتمنى أيضا ووفقا لمقترح جميل كتب في التعليقات ، وضع صندوق معدني ، أو خشبي يشبه صندوق الرسائل مخصص لوضع أسئلة المستفتين الورقية، ومن ثم يصار الى إرسال الأسئلة والإجابة عليها من قبل أهل العلم والاختصاص لتذاع الإجابات بعد ذلك في يوم مخصوص داخل المسجد ، واقترح أن يكون يوم الجمعة بعد الصلاة ،ولكن من دون ذكر الأسماء ” فقط ذكر السؤال وجوابه ” نحو ” سائل يسأل كذا وكذا ،وجواب سؤاله بعد عرضه على أهل العلم هو كذا وكذا ” ،على أن تطبع الاسئلة وأجوبتها نهاية كل عام هجري في كتيب أنيق وصغير بعنوان جامع هو: “أنت تسأل وأهل العلم يجيبون”ليوزع الكتيب بين المصلين للفائدة العامة.
والحق أقول لكم بأن ليس هناك على سطح هذا الكوكب المبتلى بالحروب والمجاعات و الجائحات الوبائية أجمل،ولا أروع ،ولا أطهر،ولا أنفع للبشرية من المسجد الجامع الشامل الذي يشع نورا وخيرا وفقها وعلما وفضيلة بكل الاتجاهات وفي كل وقت وحين …
خلفية تاريخية
بقي أن تعرف بأن جامع المرادية كان قد شُيد من قبل الوالي العثماني مراد باشا، سنة 978 هـ/ 1570م، وسميِّ نسبة اليه ” جامع المرادية “، ليتم تجديده الجامع في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، سنة 1319 هـ / 1901 م، وللجامع مئذنة غاية في الجمال والروعة فضلا على قبة كبيرة في منتهى الاتقان، مع عدد من القباب الصغيرة المجاورة، وكأن المئذنة أب، والقبة أم، وبقية القباب الصغيرة ابناءهما من ذكور وأناث !
ولعل أشهر من أمَّ للصلاة في هذا الجامع التراثي العريق ، وخطب فيه الجمعة، ودرس َّ فيه هو الشيخ كمال الدین بن عبد المحسن الطائي، وعندما أقول كمال الطائي، فأنا أتحدث هاهنا عن شيخ من المشايخ غير التقليديين حيث كان رحمه الله تعالى استاذا للعلوم الشرعية، وشيخا وواعظا وإماما وخطيبا وصحفيا في نفس الوقت، وقد أصدر وترأس تحرير العديد من المجلات وأبرزها مجلة ” الهداية و “صدى الإسلام، و”الصراط المستقيم” و “الاعتصام” و” الكفاح ”اضافة الى مجلة”لسان الهداية” و”الذكرى” و” الراية”، ليس هذا فحسب بل وكان الشيخ رحمه الله ضليعا بتأسيس الجمعيات الخيرية والدعوية كذلك حيث أسس جمعية الآداب ، وجمعية الشبان ،وجمعية الهداية، أما عن أشهر كتبه ومؤلفاته فكتاب (كيف عالج الإسلام مشكلة الفقر) و(علوم الحديث وأصوله) و( موجز البيان في مباحث علوم القرآن) و( الذكرى المحمدية) وغيرها ولاشك أن الخير كل الخير في هذه الروائع والبدائع الأربع وأعني بها “علوم القرآن الكريم ، وسيرة النبي المصطفى،والحديث النبوي الشريف، وأسس وأنواع التكافل الاجتماعي ” وهنيئا لكل من يؤلف ويكتب ويحقق وينشر ويطبع ويوزع ويحاضر ويعظ ويدعو الى كل ما ينضوي تحتها،ويدور حولها، وما يتعلق بها.
ردٌ على المُشكِكين والمُتَشَكِكين
المسجد الشامل إنما يأتي للرد على كل مشكك وحاقد ومتحامل يتصيد بالماء العكر ، ولاسيما وأن أحدهم قد طرح في برنامجه المتلفز والمشاهد بالملايين “موضوعا مريبا” دعا خلاله بالكف عن بناء المساجد بزعم أنها كثيرة ، وتحويل الأموال الى بناء المدارس بدلا منها،وهو رأي قد يبدو سديدا ، وعين الصواب للعاطفيين والمتحاملين على سواء للوهلة الأولى، إلا أنك لو تعمقت في مدلولاته وأمعنت النظر في تبعاته وأهدافه فسرعان ما سيتبدد كثير من تعاطفك ، ولاسيما وأن أكبر المساجد وأضخمها إنما يبنيها الأثرياء والوجهاء وبعضها للتباهي ليخلدهم التاريخ وعوائلهم على مر العصور، وأقول بدلا من طرح مقترح للكف عن بناء المساجد بزعم كثرتها والتفرغ لبناء المدارس بدلا منها ، دعوني أكرر وأعيد طرح ما سبق لي وأن اقترحته لبناء ” المسجد الكبير الشامل الجامع” بمعنى المسجد الكبير الذي تلحق به وضمن خارطة البناء الأساس ، مدرسة ابتدائية ..أو مركز لمحو الأمية ..أو مدرسة ثانوية …كما يلحق ببناية المسجد ” مطبخ خيري مجاني ” حتى لا يقال ” لقمة في بطن جائع خير من بناء ألف جامع” …كما يلحق بالجامع أيضا مكتبة مجانية خيرية عامة مفتوحة بين الظهر والعشاء لطلبة الدراسات الأولية والعليا تعمل بنظام المكتبات المركزية والجامعية …ليلحق بباحة المسجد الخارجية أيضا ملعب مسيج لخماسي كرة القدم والطائرة والسلة واليد وكرة الطاولة ،والحكمة تقول “العقل السليم في الجسم السليم ” والمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف ، إضافة الى إلحاق ” مغسل مجاني للموتي كذلك …مع إلحاق جمعية إنسانية تضم عيادة وصيدلية طبية خيرية أسبوعية، وهذا هو المسجد الشامل الذي يتحتم بناءه من الآن فصاعدا ولاسيما في زمن الشح المطاع والدنيا المؤثرة والهوى المتبع وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، ولو كان الأمر بيدي لاقترحت إلحاق “مبنى صغير مخصص لعقد القِران الشرعي على أن يرتبط بمحاكم الأحوال الشخصية لتوثيق البيانات وعقود الزواج أولا بأول …اضافة الى مبنى – الصلح خير- لحل الخلافات العائلية والزوجية وبين القبائل والعشائر وغيرها ، مع إلحاق – وكما هو الحال في مساجد تركيا القديمة – بيوت صغيرة وجميلة توضع في أعالي الجدران الخارجية ولكن عكس اتجاه الريح لتكون بمثابة مأوى دائم مخصص لإطعام الطيور والعصافير الحرة، ولسقيها وإيوائها أيضا ،والله من وراء القصد.
ولو أن مقترح إيقاف بناء المساجد قد دعا للكف على بناء الحانات والبارات والمراقص والنوادي الليلية والكباريهات والسينمات،والكف عن الإسراف وهدر الأموال على الازياء والموضة والبدكير والمنكير ومراكز المساج وحمامات الساونا والجاكوزي ونقش الوشم وتكبير الشفاه والاثداء،أو تصغير الأنوف والمؤخرات،مع التحذير من تضييع الأموال على الكماليات، ناهيك عن البذخ في العزائم والولائم ومجالس العزاء و الاعراس والمناسبات،وتبديد الأموال على موائد القمار والمراهنات وقد تسللت الى منافسات وبطولات كرة القدم وأفسدتها كليا ،ومثلها برامج الترفيه والمسابقات،والمهرجانات والكرنفالات السنوية التي تهدر ملايين الدولارات، كذلك حفلات التخرج السنوية في عامة الاقسام والفروع والمعاهد والكليات والجامعات،على الخمور والسجائر ومشروبات الطاقة والمعسل والمخدرات، وتحويل أموالها وبما يصل الى تريليونات الدنانير والجنيهات، بدلا من ذلك كله لبناء المدارس والمستشفيات، لكان أكثر واقعية،وأشد إقناعا وإنسانية “:
فقل لمن يدعي في العلم فلسفة …لقد حفظت شيئا وغابت عنك أشياء
مؤكد بأن أفضل رد على الدعوات المشبوهة والتي لا نسمع بها إلا عندما يتعلق الأمر بالحج والعمرة وبناء المساجد ونحر الأضاحي،هنا فقط يبرز بعضهم ليشرقوا ويغربوا مطالبين بتحويل أموال الحج والعمرة والاضحية وبناء المساجد الى الجياع والمحرومين،متناسين بأن واحدهم لم يدفع زكاته يوما قط،وأنه لم يخرج صدقاته إلا فيما ندر، وبأنه يبدد أموالا طائلة في صالات القمار والحانات والملاهي الليلية والنوادي والكافيهات والمواخير والمنتجعات من دون أن يخرج لقمة واحدة وإن كانت فائضة عن حاجته ليضعها بكل تواضع في فم جائع فيما تراه يجعجع لتحويل نفقات العمرة والحج وبناء المساجد الى الجائعين وتوزيعها بين المستحقين مستثنيا ما يبدده هو من الملايين وعلى مدار العام جزافا على كل إثم وكبيرة وفاحشة وكل مخالفة للدين، لأنه بلا ضمير حي،ولا عقل راجح، ولا دين،أقول إن أفضل رد على هؤلاء وأمثالهم من الناعقين في كل وقت وحين، وبدلا من إلقام كل كلب عوى حجرا، ليصبح الصخر مثقالا بدينار،على قول الشاعر قديما،هو الشروع ببناء”المساجد الشاملة الجامعة”بمطابخها وعياداتها وصيدلياتها الخيرية،بمكتباتها العامرة المشرعة المجانية ،بمدارسها لتعليم القرآن الكريم ومكافحة الأمية،بمغاسلها المجانية لتكفين وتغسيل وتجهيز الأموات بكرة وعشيا،بملاعبها الملحقة الرياضية،بجمعياتها الخيرية والإنسانية والإغاثية .
نقلا عن كتابي : يا آكلي الفلافل اتحدوا



إرسال التعليق