تكاليف الانتصار السياسي في الحرب الدائرة في المنطقة

سمير عادل

هل سقوط النظام الإسلامي الحاكم في إيران أقل كلفة، أم أن التعايش معه هو الأقل كلفة؟ هذا هو السؤال الذي يدور الآن في أوساط الطبقة الحاكمة في منطقة الخليج وعدد من دول المنطقة.

في تقرير نشره موقع «روسيا اليوم»، كُشف عن اجتماع عُقد بين مسؤولين من الإمارات وإسرائيل في بلد ثالث لم يُذكر اسمه، نوقشت خلاله سبل وآليات ردع إيران في المنطقة. وذكر التقرير أيضًا أن الإماراتيين ممتعضون من مذكرة التفاهم التي وقّعتها الولايات المتحدة وإيران، وأنهم لن يغفروا لإيران ما اقترفته بحقهم، ولا سيما ضرب منشآتهم.

وفي خضم هذه الأوضاع، جاء التحالف الدفاعي الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان، القائم على مبدأ مشابه لاستراتيجية المادة الخامسة في حلف الناتو، التي تعتبر أي اعتداء على دولة اعتداءً على بقية الدول. ويكشف هذا التحالف عن مسألة اساسية: استمرار انحسار الدور الأميركي، وتآكل مكانة الولايات المتحدة ونفوذها، بعد فشلها في حماية حلفائها في المنطقة الى جانب حسم صراعها مع ايران بضربة قاضية كما فعلت في فنزويلا.

إن «الشرق الأوسط الجديد» الذي سوق له بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي مستغلا احداث السابع من أكتوبر 2023 لم يأتِ كما يشتهيه ويخطط له، عبر سياسة البلطجة وقتل آلاف الفلسطينيين في غزة، والتغوّل في سورية ولبنان، والاستهتار بشن حرب على إيران. فالشرق الأوسط الجديد هو شرق أوسط يولد على أيدي أقطاب إقليمية جديدة في المنطقة لم تكن حاضرة من قبل، مثل باكستان. وكل ما فعلتها إسرائيل هو انها دقت أساس «الشرق الأوسط الجديد».

وقد عبر نتنياهو عن مخاوفه تجاه ما يدور من مفاوضات خلف الكواليس، بالقول إن إسرائيل تواجه محورين شر في الشرق: المحور السني وكان يقصد الذي شكّله التحالف الثلاثي، والمحور الشيعي، أي إيران وحلفاؤها في الدول الفاشلة في المنطقة.

اليوم، يُعدّ الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم سخونةً واستقطابًا، وهو أكثرها عرضةً للانفجار. إيران وإسرائيل، اللتان تتنافسان على توسيع نفوذهما وهيمنتها على المنطقة، تشعران بأنهما محاصرتان من الأقطاب الجديدة. ولهذا جاء تعليق رئيس اللجنة الأمنية في البرلمان الإيراني على الاتفاق الثلاثي بأن التوقيع على الورق لا يجلب لها الأمن والاستقرار، قاصدًا بذلك المملكة العربية السعودية.

بالنسبة لإسرائيل فعزائها الوحيد هو الدعم السياسي والعسكري الكبير الذي تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية لها، والذي قد يسعف في الحفاظ على مكانتها في المنطقة. فما يجري من مفاوضات في لبنان ومجلس السلام في غزة برعاية أمريكية مباشرة هو جزء من المساعٍ لإنقاذ مكانة إسرائيل وحمايتها.

أما إيران، فلا عزاء لها. فحلفائها ؛ روسيا متورطة في أوكرانيا التي تفاقمت خسائرها المادية، وفقدانها لسورية التي توجت بتوقيعها لمذكرة التفاهم تنهي عمل قواعدها العسكرية في طرطوس والحميم، و الصين لها مصالح استراتيجية في الخليج وإسرائيل والمنطقة التي لا تستطيع ان تخطو خطوات أبعد مما تقدمها لإيران في مجلس الأمن او تقديم بعض المعدات العسكرية لها. أي بعبارة أخرى النظام السياسي الإسلامي الحاكم يجد نفسه محاصراً على حدوده بباكستان وتركيا والسعودية. ولذلك، فإن جانب من المماطلة والمراوغة في المفاوضات مع الجانب الأمريكي، واستخدام أوراقه الاستراتيجية المتبقية، وهي مضيق هرمز وأمن الخليج، هي ما تبقّى لديه. وهو يدرك أن الانتصار السياسي الوحيد أمامه للبقاء على نفوذها وهيمنتها في الشرق الأوسط الجديد هو انتزاع تنازلات من الولايات المتحدة الأمريكية في قضايا العقوبات، وإطلاق الأموال المجمّدة، ورفع الحصار، والانسحاب الأمريكي. وبغير ذلك يعني تفكك الجمهورية الإسلامية.

فإذا كان هناك بصيص أمل للانفراج وتقديم بعض التنازلات لأمريكا قبل شهر، فإنه بعد هذا التحالف الاستراتيجي بين الدول الثلاثة المذكورة، وتشكيل قوة دفاع بحرية وقعت عليها 14 دولة في باب المندب والبحر الأحمر بقيادة السعودية، ليس أمام إيران إلا المضي قدماً في إيلام المنطقة وأمريكا. أما الأخيرة، أي امريكا فليس أمامها رفاهية الخيارات. التحالف الاستراتيجي الأخير بين الدول الثلاث يحتم على إدارة ترامب الاستمرار في سياستها تجاه ايران، وأبعد من ذلك عدم الاكتراث بما سيحدث في الانتخابات النصفية المزمع تنظيمها في نوفمبر-تشرين الثاني من هذا العام. ولذلك، فإن انضمام وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو، ودخول جي دي فانس نائب الرئيس الأمريكي وأحد قادة (حركة ماغا) التي تدعم دونالد ترامب على الخط لإعلان دعماً للسياسة العسكرية والحربية ضد إيران، يعبران عن المصالح الاستراتيجية للطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة، إذ إن نفوذها ومكانتها في العالم على المحك اذا ما فشلت في فرض التنازلات على النظام السياسي في ايران.

وفي ظل هذه الأوضاع، يظهر في منطقة الخليج تيارٌ يتبلور، كما ظهر من قبل داخل الطبقة الحاكمة الأمريكية، يدرس أيَّ الخيارين أقل كلفة: بقاء النظام الإيراني أم إسقاطه. وقد تبلور لدى هذا التيار في الخليج، ولدى عددٍ من القوى الأخرى، تصوّرٌ مفاده أن النظام السياسي الإسلامي في إيران لا يمكنه الاندماج في المنطقة أو القبول بحصة له وفق المعادلات السياسية التي ترسمها الولايات المتحدة الأمريكية والأقطاب الإقليمية الأخرى.

الأوضاع السياسية في المنطقة حبلى دائماً بالمفاجآت، لكن الشيء المؤكد في كل هذه الأوضاع ان المنطقة على صفيح ساخن، ومن يدفع ثمنها هم جماهير المنطقة، ولا سيما العمال والمحرومون في إيران. ولا أمل لهم سوى في تقوية تضامننا ودعمنا لهم، عبر السعي إلى إيقاف الحرب ورفع الحصار عنهم، والتصدي السياسي والدعائي، وتبديد الأوهام حول سياسات البلطجة الأمريكية، وبنفس القدر فضح سياسات النظام الإسلامي-القومي في طهران الذي يحاول، عبر الادعاء بأنه معادٍ للإمبريالية، لطمس سياساته القومية بالهيمنة على المنطقة واخفاء الإعدامات والقمع بحق قادة العمال والنساء والتحرريين المعارضين لسياسات النهب والسرقة التي يمارسها لحماية نظامه السياسي القروسطي.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك