دورة التجلي

استوقفتني هذه العبارةُ في وِرْدِ مطالعتي:
“مَنْ تَعِبَ فَلْيَنْحِ جانِباً”
خلتُها رسائلَ مُشفَّرةً، مُوجَّهةً إلى العُقلاءِ والحُكماءِ من بَني البَشرِ على السَّواءِ.

تلكَ العبارةُ ليستْ وَحيَ ضعفٍ، بل هي قَرارُ حِكْمَةٍ يَتَّخِذُهُ الإنسانُ الواعي حينَ تُجْهَدُ الطَّاقَةُ، وتُصبِحُ الروحُ بِحاجَةٍ إلى مَراجَعَةِ أَدوارِها الرِّساليَّةِ؛ وكما يَقُولُ خَبِيرُ التَّنْمِيَةِ جِيم رُون: “لا يُمْكِنُكَ تَغْيِيرُ وِجْهَتِكَ بَيْنَ عَشِيَّةٍ وضُحاها، ولَكِنَّكَ تَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَ اتِّجاهِكَ بَيْنَ عَشِيَّةٍ وضُحاها” (¹). فالتَّنَحِّي ليسَ هَزيمةً ولا خِذْلاناً، بل هو تَغْيِيرٌ لِلاتِّجاهِ وفَسْحُ مَجالٍ لِمَنْ يُكْمِلُ المَسيرَةَ على أَكْمَلِ وَجْهٍ. ليسَ عَجْزاً أنْ يَسْتَرِيحَ المَرْءُ لِتَسْتَمِرَّ جَذْوَةُ العَطاءِ.

وبَينَما أَقرَأُ، تَتَجَلَّى لي رُوحُ الرِّسالةِ في فِكْرَةِ التَّداوُلِ الحَضارِيِّ وسُنَّةِ التَّكامُلِ؛ فالمَسِيرَةُ الإِنْسانِيَّةُ تُصابُ بالرَّكودِ حينَ يَتَمَسَّكُ المَرْءُ بِمَوْقِعِهِ رَغْمَ إِعْيائِهِ، لا لِسوءِ نِيَّةٍ، بَلْ لِغَفْلَةٍ عَنْ واجِبِ تَجْدِيدِ الدِّماءِ وتَناوُبِ الأدْوارِ.

أَتَمَثَّلُ هذا الحَالَ في كُلِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكانِ البِناءِ الإِنْسانِيِّ:
· حينَ يُجْهَدُ المُبْدِعُ، وتَجِفُّ قَرِيحَتُهُ بَعْدَ طُولِ سَهَرٍ واحْتِراقٍ، فيَكُونُ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلى العُزْلَةِ والتَّأَمُّلِ لِيَعُودَ بِرُؤْيَةٍ أَعْمَقَ وأَثْرى…
· وحينَ يُرْهَقُ المُرَبِّي، وتَغْدُو حاجَتُهُ ماسَّةً لا لِلرَّاحَةِ البَدَنِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ لِإِعادَةِ شَحْنِ الرُّوحِ وشَغَفِ العَطاءِ، بَعْدَ أنْ أَنَفَقَ فِكْرَهُ ومَشاعِرَهُ فِي بِناءِ الإِنْسانِ…
· وحينَ يَتَوَقَّفُ المَهَنْدِسُ والبَنَّاءُ، وقَدْ بَلَغا أَقْصى طاقَتِهِما البَدَنِيَّةِ والذِّهْنِيَّةِ، فيُصْبِحُ الإِفْساحُ لِلسَّاعِدِ الفَتِيِّ والقَدَمِ المِقْدامَةِ واجِباً لِضَمانِ صَلاَبَةِ البُنْيانِ…
· وحينَ يَتَعَبُ المُزارِعُ، بَعْدَ فُصُولٍ مِنَ حَرْثِ الأَرْضِ ورِعايَةِ النَّبْتِ، فيَحْتاجُ لِإِيراحِ المِقْبَضِ لِيَتَوَلَّى الشَّبابُ حَصادَ السَّبَلِ وتَجْدِيدَ التُّرْبَةِ…
· وحينَ يَسْتَكِينُ الغَوَّاصُ، بَعْدَ أنْ غَشِيَهُ الإِعْياءُ فِي أَعْماقِ البِحارِ، فيُسَلِّمُ المِشْعَلَ لِمَنْ يَسْتَطِيعُ الغَوْصَ أَبْعَدَ لِاسْتِخْراجِ اللَّآلِئِ والـجَواهِرِ…

فَتَتَعَطَّلُ عَجَلَةُ النَّماءِ، وتَظَلُّ العُيونُ شاخِصَةً نَحْوَ السَّماءِ، تَرقُبُ أَمَلاً وتَجَدُّداً.

وَرْدٌ ودَرْسٌ وفائِدَةٌ يَتَعَلَّمُها أَمْثالي مِن سُنَنِ أُولِي العَزْمِ والعَطاءِ:
لا يَمْنَعُكَ شُعُورٌ بالتَّعَبِ أنْ تُخْلِيَ المَقامَ لِغَيْرِكَ، لِيَنْطَلِقَ القِطارُ في مَسارِهِ، ويُكْمِلَ مَشْوارَهُ المَرْسومَ.

لَيْتَني ولَيْتَكَ نَسْتَوْعِبُ دُرُوسَ الحَياةِ، فَنُقَسِّمُ الأَدوارَ كَما تَقَسَّمَتْها الطَّبيعَةُ والشَّجَرُ: الأخْضَرُ يُورِقُ، والمُورِقُ يُثْمِرُ ويُعْطي الغِلالَ. نَفْسَحُ المَجالَ لِتَجَدُّدِ دَوْرَةِ الحَياةِ بالعَطاءِ؛ فالحَياةُ لا تَكْتَمِلُ إلا بالتَّكامُلِ والتَّناوُبِ.

سؤالٌ لِلنِّقاشِ:
مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِكُمْ، ما هي أَهَمُّ مَهارَةٍ بَشَرِيَّةٍ تُكْسِبُ الإِنْسانَ شَجاعَةَ التَّراجُعِ لِتَصْحيحِ المَصارِ، وإِفْساحِ المَجالِ لِلتَّكامُلِ مَعَ الآخَرِينَ؟

ـــــــــــــــــــــ
(¹) مرجع الاقتباس: جيم رون (Jim Rohn)، مقال “The 30-Day Direction Change” على موقعه الرسمي

الأستاذ: حشاني زغيدي

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك