تفلسف الحمار فمات جوعًا

رشيد مصباح (فوزي)

*

عبارة «تفلسف الحمار فمات جوعًا» تحيل إلى ما يُعرف في تاريخ الفلسفة بـ«مفارقة حمار بوريدان»، وهي حكاية افتراضية عن حمار جائع وعطشان، وُضع على مسافة متساوية بين كومة من القش وسطل من الماء، بحيث لا يجد سببا يفضّل به أحدهما على الآخر. وبما أن دوافعه متساوية، يفترض أصحاب المفارقة أنه يظل متردّدا بين الخيارين، حتى يهلك من فرط التردّد.

وسواء كانت هذه الحكاية قد وردت بالفعل بهذه الصورة عند الفيلسوف الفرنسي جان بوريدان أم أنها صيغت لاحقا لتوضيح فكرته، فإن معناها الفلسفي واضح: هل يستطيع الإنسان أن يتّخذ قرارا عندما تتساوى أمامه الدوافع والخيارات؟ وهل يحتاج الاختيار إلى سبب عقلاني واضح؟

والمفارقة في حد ذاتها ليست مجرّد حكاية عن حمار جائع، بل سؤال عن الإرادة والاختيار والعقل. وهي مسألة أقدم من بوريدان نفسه؛ فقد تناول الفلاسفة منذ العصور القديمة قضايا متّصلة بها، كما ناقشها أبو حامد الغزالي في سياق حديثه عن الاختيار بين بدائل متساوية.

وفي هذا السياق يقول الغزالي:

«فإنا نفرض تمرتين متساويتين بين يدي المتشوّف إليهما العاجز عن تناولهما جميعا فإنه يأخذ إحداهما لا محالة بصفة شأنها تخصيص الشيء عن مثله.»

ومعنى ذلك أن الإنسان، بخلاف الحمار في الفرضية، لا يبقى بالضرورة أسير التساوي بين الخيارات؛ فهو قادر على الترجيح والاختيار، حتى عندما لا يكون الفرق بين البدائل واضحا بصورة قاطعة.

ولعل هذه الحكاية تصلح، خارج سياقها الفلسفي، مثالًـا على ظاهرة نعيشها كثيرا في حياتنا: الإفراط في التفكير قد يتحّول من وسيلة للوصول إلى القرار إلى سبب في تعطيله. فليس كل أمر يحتاج إلى فلسفة طويلة، وليس كل قرار يستوجب إقامة محكمة عقلية قبل الإقدام عليه.

الفلسفة… محبة الحكمة
درستُ الفلسفة كما يدرسها تلاميذ الثانوي، وتعلّمتُ يومها أنها «محبة الحكمة»، وأنها أم العلوم. وقد كنت، في الحقيقة، شغوفًا بها، بل شديد التأثّر بما كنتُ أقرأه وأتلقّاه من أفكارها. وكنتُ متفوّقًا فيها إلى درجة أن بعض زملائي كانوا يلجؤون إليّ أحيانا عندما يستعصي عليهم فهم بعض المسائل.

لكنني، إذا عدتُ اليوم إلى تلك المرحلة، أدرك أن علاقتي بالفلسفة لم تكن قائمة على منهج فلسفي واضح، بقدر ما كانت امتدادا لشغفي القديم بالأدب والخيال والقصص والمغامرات.

لقد نشأتُ وأنا مولع بالحكايات التي كان يرويها لي أخوالي، من قبيل قصص «فاطمة والغول» و«الزازية أم الرداح» و«ذياب الهلالي» وغيرها من الحكايات الشعبية التي كانت تفتح أمام خيال الطفل عوالم لا حدود لها.

ولذلك ربما لم تكن الفلسفة بالنسبة إليّ مجرد مادة دراسية، وإنما كانت امتدادا طبيعيّا لذلك الفضول القديم: لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ وماذا يوجد وراء الأشياء؟

وهنا تكمن، في رأيي، إحدى أهم وظائف الفلسفة.

الفلسفة ليست علما تجريبيّا
الفلسفة ليست علما تجريبيّا بالمعنى الذي تكون فيه الرياضيات أو الفيزياء أو الكيمياء علوما دقيقة يمكن اختبار نتائجها بالتجربة وإعادة إنتاجها بالشروط نفسها.

إنها، قبل كل شيء، طريقة في التفكير، وتدريب على طرح الأسئلة، ومراجعة المسلّمات، والبحث عن المعنى والعلل والنتائج.

إنها تسأل: كيف؟ ولماذا؟ وماذا يعني ذلك؟ وهل ما نعتقده صحيح فعلًـا؟

ولهذا فإن قيمة الفلسفة لا تكمن في أنها تمنحنا أجوبة نهائية، وإنما في أنها تعلّمنا كيف نطرح السؤال الصحيح.

لكن هذا لا يعني أن كل ما أنتجته الفلسفة عبر تاريخها صحيح، ولا أن كل فكرة فلسفية تستحقّ أن تُقبل لمجرد أنها صيغت بلغة عميقة أو معقّدة.

فالفلسفة، في نهاية المطاف، نتاج بشري، والنتاج البشري يحمل بالضرورة إمكان الصواب والخطأ.

الفلسفة اليونانية بين العقل والأسطورة:
لا ينبغي أن ننظر إلى الفلسفة اليونانية نظرة مثالية تجعلها مصدرا لكل عقلانية حديثة. فقد كانت الفلسفة في مراحلها الأولى متداخلة مع الأسطورة، والتصوّرات الغيبيّة، وبعض المعتقدات التي لا تستند إلى المعرفة العلمية التي نمتلكها اليوم.

كان الإنسان القديم يحاول أن يفسّر الكون والظواهر الطبيعية بما توفر لديه من أدوات معرفية. وعندما يعجز عن تفسير ظاهرة، كان يلجأ أحيانا إلى الخرافة والأساطير.

وهذا أمر مفهوم إذا وضعناه في سياقه التاريخي؛ فالإنسان كان يحاول أن يجيب عن أسئلة كبرى قبل أن تتطوّر أدوات الملاحظة والتجربة والبحث العلمي.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الفلسفة القديمة أسهمت في تطوير التفكير العقلي، ومهّدت الطريق لعلوم كثيرة، وأن الأسئلة التي طرحها أولئك الفلاسفة لا تزال حاضرة، بصورة أو بأخرى، في الفكر الإنساني الحديث.

وهنا ينبغي أن نفرّق بين قيمة السؤال وبين صحة الجواب:

هل الإسلام يعادي الفلسفة؟
من الأخطاء الشائعة وضع الإسلام والفلسفة في مواجهة مطلقة، وكأن الدِّين الإسلامي قام تاريخيّا على محاربة كل تفكير عقلي.

فالمسألة أكثر تعقيدا من ذلك.

لقد عرف الفكر الإسلامي نقاشا عميقا حول الفلسفة، وكانت المناظرة الفكرية بين أبي حامد الغزالي وابن رشد من أبرز مظاهر ذلك الجدل. ولم يكن الخلاف مجرّد رفض للعقل أو دعوة إلى إلغائه، وإنما كان في جانب مهم منه متعلقا بحدود العقل، وبما يستطيع الوصول إليه، وبما ينبغي أن يُقبل منه في مسائل العقيدة والغيب.

ومن هنا يجب التمييز بين أمرين:

العقل الذي يستخدمه الإنسان لفهم العالم، والفلسفة باعتبارها نتاجا بشريا قد يصيب وقد يخطئ؛ والوحي باعتباره، في التصوّر الإسلامي، مصدرا إلهيا منزّها عن الخطأ.

فليس من المنطقي أن نضع الفلسفة والوحي في المستوى نفسه، ثم نطلب من أحدهما أن يحاكم الآخر بالمعايير ذاتها.

الفلسفة تسأل وتحلّل وتفترض وتجادل، أما الوحي في العقيدة الإسلامية فهو هداية إلهية.

ولهذا لا أرى تعارضا بين أن يستفيد المسلم من أدوات التفكير الفلسفي، وبين أن يرفض في الوقت نفسه بعض الأفكار والنظريات التي تتعارض مع أصول عقيدته.

وماذا عن قرار الاستغناء عن الفلسفة؟
أما ما يتعلق بقرارات وزارة التربية بشأن مادة الفلسفة، فالمسألة في رأيي تستحق نقاشا أكثر هدوءا وأقل انفعالًـا.

ليس الاعتراض على القرار دليلًـا تلقائيا على صوابه، كما أن تأييده لا يعني بالضرورة أن أصحابه ضد الفلسفة أو مع الجهل.

وقد يكون القرار في حد ذاته قابلًـا للنقاش، لكن الإشكال الذي أراه أهم من القرار نفسه هو طريقة اتخاذه وتقديمه للرأي العام.

فالقرارات التربوية الكبرى لا ينبغي أن تبدو وكأنها نزلت فجأة من الأعلى. إنها تمس أجيالًـا كاملة، ومناهج، وأساتذة، وتلاميذ، وأولياء أمور، ولذلك تحتاج إلى دراسة وتمهيد واستشارة وتقييم للنتائج.

كان يمكن، قبل اتّخاذ قرار من هذا النوع، تشكيل لجان من المختصّين في التربية والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، لدراسة الحاجة الفعلية إلى المادة، ومحتواها، وطريقة تدريسها، والمرحلة الأنسب لتلقينها، وما إذا كان المطلوب إلغاؤها فعلًـا أم إعادة صياغة حضورها في المنظومة التعليمية.

فالمشكلة ليست بالضرورة في وجود الفلسفة، وإنما قد تكون في كيفية تدريسها.

لا نريد حمارًا يموت من التردد
وهنا نعود إلى حمار بوريدان.

لا ينبغي أن يتحوّل النّقاش حول الفلسفة إلى مفارقة جديدة، نقف فيها بين خيارين متطرّفين: إمّا تقديس الفلسفة وكأن كل ما قاله الفلاسفة حقيقة مطلقة، وإما رفضها بالكامل وكأن التفكير والسؤال خطر على الإنسان.

كلا الموقفين يحتاج إلى مراجعة.

نحن بحاجة إلى عقل يسأل، لكنه لا يتوه في الأسئلة.

نحتاج إلى تفكير نقدي، لكنه لا يتحوّل إلى تمرّد على كل قيمة.

ونحتاج إلى معرفة تحترم الدِّين، دون أن تخاف من العقل.

فالفلسفة، في أحسن صورها، لا ينبغي أن تجعل الإنسان أسيرا للأسئلة، وإنما تساعده على امتلاك القدرة على طرحها وفهمها ومناقشتها.

أما أن يظل الإنسان واقفا بين القش والماء، يفكّر إلى أن يموت عطشًا وجوعًا، فذلك ليس انتصارا للفلسفة، وإنما فشل في استخدام العقل.

ولعل الحكمة الأهم التي يمكن أن نستخلصها من هذه المفارقة هي أن العقل لا يكتمل بكثرة التفكير وحدها، وإنما يكتمل أيضًا بالقدرة على التمييز، والترجيح، واتخاذ القرار في الوقت المناسب.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك