حين تُسدل الستارة

رشيد مصباح (فوزي)

*

ليس هذا العالم سوى مسرح كبير، والحياة فيه عرض قصير. يدخل الإنسان إليه دون أن يختار زمان ميلاده، ولا مكانه، ولا الأسرة التي يولد فيها، ثم يجد نفسه يؤدي دورا كُتب له قبل أن تطأ قدماه خشبة المسرح.

فمنّا من أُسند إليه دور الغني، ومنّا من كُتب عليه أن يعرف الفقر، ومنّا من يلبس ثوب السلطان، ومنّا من يحمل همّ المظلومين. فينا من يولد بين جدران القصور، وفينا من يفتح عينيه على كوخ متواضع، وفينا من يضحك طويلًـا، وفينا من لا يعرف من الدنيا إلّـا الدموع.

وليس الامتحان في نوع الدور الذي نؤدّيه، وإنما في الطريقة التي نؤّديه بها. فليس الشرف في عظمة المكانة، بل في صدق الأداء. وكم من إنسان لم يعرفه أحد في الدنيا، فإذا به عند الله أعظم قدرا من صاحب عرش ملأ الأرض صخبا وسلطانا. وكم من قويّ ظن أن الدنيا خُلقت له، فإذا هو أضعف خلق الله حين يدعوه الأجل.

ثم يأتي المشهد الأخير…

تُسدل الستارة.

يخلع الجميع أزياءهم، ويغادرون المسرح كما دخلوه؛ لا يحمل أحد تاجا، ولا وساما، ولا رصيدا في مصرف، ولا قصورا شُيّدت بالحجارة والرّخام. كل شيء يبقى فوق خشبة الدنيا، ولا يرافق الإنسان إلى رحلته الأخيرة إلا عمله، وما تركه من أثر في قلوب الناس.

عندها ندرك كم كانت معاركنا صغيرة، وكم أضعنا من أعمارنا في مطاردة سراب. فالعمر ليس إلا حفنات من الرمل، تعبث بها رياح الزمن؛ وما إن نحاول الإمساك بها حتى تتسلّل من بين أصابعنا. نظن أننا نملك الأيام، بينما الحقيقة أن الأيام هي التي تملكنا، وتسير بنا في صمت نحو النهاية.

فلا تغرّن الطغاة قوّتهم، ولا يخدعنّ الجبابرة سلطانهم. فما من ظلم إلّـا ويترك ندبة في إحدى صفحات التاريخ، وما من جريمة إلّـا وتبقى شاهدة على صاحبها، وإن محا الزمن شيئا من الألم. فالزمن قد يخفّف الوجع، لكنه لا يمحو الحقيقة، ولا يسقط عدل السماء.

تأمّلوا قليلـًا…

أين الملوك الذين دوّت أسماؤهم في الآفاق؟

وأين القياصرة والأباطرة الذين ظنوا أن الأرض لن تتسع لغيرهم؟

لقد مرّوا جميعا من هنا، ثم ابتلعتهم الأرض كما ابتلعت من قبلهم آلاف الجبابرة.

لو كان الخلود يُكتب لبشر، لكان الأنبياء والرّسل أولى الناس به.

وما أعجب الإنسان!

يتشبّث بدنيا يعلم أنها زائلة. ويخاصم ويظلم ويقتل، من أجل متاع سيتركه خلفه بعد حين؛ ويْكأنّ الموت وعدٌ يخصّ الآخرين وحدهم.

أيّها المظلوم… لا تيأس..

أيّها الفقير… لا تخجل ولا تبتئس.

وأيّها المنكسر… لا تظن أن الله نسيك.

فهذه الدنيا ليست سوى فصل قصير من رحلة أطول، وما نحن فيها إلا ممثّلون نؤدّي أدوارا كُتبت لنا، ثم تُسدل الستارة، ويعود الجميع إلى خالقهم حفاة عراة، لا يميّز بينهم مال ولا سلطان، ولا جاه ولا نسب.. وإنما تميّزهم أعمالهم وصدق قلوبهم.

فلنحسن أداء أدوارنا، ولنتذكّر دائما أن التصفيق الذي يستحق أن نرجوه ليس تصفيق الناس، بل رضا الله يوم ينتهي العرض، ويُسدل الستار إلى الأبد.

إرسال التعليق