إلى أين تتجه الجغرافيا السياسية للمغرب العربي؟

الناصر خشيني

حين تشتعل الحدود الغربية لليبيا، فإن الشرارة لا تبقى ليبية وحدها. فرار سجناء من مؤسسة الإصلاح في صرمان وسط اشتباكات دامية بين مجموعات مسلحة متناحرة في الزاوية وصرمان (1)(2)، تلته أزمة محتجزين تونسيين على معبر رأس جدير (3)، ثم تصريحات لافتة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تعهّد فيها بـ”سحق” كل من يحاول توظيف الإرهاب لضرب استقرار تونس (4) — كل هذه الوقائع، حين تُقرأ مجتمعة لا منفصلة، ترسم مشهداً واحداً: مغرب عربي تتقاطع فيه الهشاشة الأمنية الليبية مع حسابات السيادة التونسية والهاجس الجزائري، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
الفوضى الليبية: عندما تتحول السجون إلى بوابات
ما جرى في الزاوية وصرمان ليس حادثاً معزولاً، بل هو تكرار لنمط بنيوي يلازم ليبيا منذ سقوط النظام السابق عام 2011: دولة بلا مركز، وميليشيات تتقاسم النفوذ بالقوة لا بالشرعية. الاشتباكات التي اندلعت بين مجموعات تابعة لجهاز مكافحة التهديدات الأمنية وعناصر كتيبة مشاة أخرى (5)، وامتدت من منطقة الحرشة قرب مصفاة الزاوية إلى محيط سجن صرمان، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وأدت إلى فرار جماعي لنزلاء السجن (6). البلديات المحلية اضطرت إلى إعلان حالة طوارئ وتعليق العمل، فيما حذّرت أجهزة الإسعاف من انعدام أمان الطريق الساحلي الذي يربط طرابلس بالحدود التونسية (7) — وهو تفصيل ليس عابراً، فهذا الطريق يمثل الشريان الحيوي لحركة عشرات آلاف التونسيين والليبيين يومياً.
والمفارقة المؤلمة أن هذه الفوضى لا تصنعها قوى خارجية وحدها، بل تغذّيها منظومة إقليمية ودولية طالما وجدت في الانقسام الليبي فرصة لإدامة نفوذها، بينما تُترك مؤسسات الدولة الليبية فريسة لتوازنات ميليشياوية متغيّرة لا تحكمها سوى المصلحة الآنية.
رأس جدير: حين يتحول المعبر إلى مرآة للتوتر
لم يكن ملف المحتجزين التونسيين في الجانب الليبي من معبر رأس جدير طارئاً، بل هو استمرار لأزمة متجددة تتكرر دورياً بين البلدين، من إيقاف تجار بنقردان بتهم التهريب (8)، إلى احتجاز مواطنين تونسيين في منطقة المطرد قرب الزاوية قبل أشهر قليلة (9)، وما رافق ذلك من احتجاجات شعبية أغلقت المعبر واستدعت تدخلات ميدانية من أعيان المنطقتين لتهدئة الأوضاع (10). هذه الحلقة المتكررة تكشف غياب بروتوكول رسمي ثابت ينظم حركة العبور والتجارة بين البلدين، رغم أن هذا المعبر يستوعب وحده أكثر من 80% من التبادل التجاري بين تونس وليبيا (11). والنتيجة أن المواطن العادي، التاجر الصغير أو العابر، يدفع ثمن غياب دولة مؤسسات في الجانب الليبي، وثمن قصور دبلوماسي تونسي لم يفلح بعد في تثبيت آلية دائمة تحمي كرامة مواطنيه على حدوده.
خطاب تبون: تضامن مغاربي أم اختبار للسيادة؟
في خضم هذا التوتر، جاء تصريح الرئيس الجزائري، الذي أكد فيه أن الجزائر لن تتهاون مع أي محاولة تستهدف أمن تونس أو استقرارها، متوعداً بالحسم مع من يحاول توظيف الإرهاب ضد الجارة الشرقية (12)، وأن أمن تونس جزء لا يتجزأ من أمن الجزائر القومي (13). هذا الخطاب، الذي حمل نبرة رمزية شديدة الوضوح، لم يمر مرور الكرام في المشهد التونسي، بل كشف انقساماً حاداً: فريق من النواب والسياسيين والناشطين رحّب به باعتباره تعبيراً عن عمق الروابط التاريخية والأخوية بين البلدين، ورفضاً لمحاولات عزل تونس عن محيطها المغاربي والعربي (14)؛ فيما رأى فريق آخر، من بينهم دبلوماسيون سابقون، أن التصريح يندرج ضمن التعاون الأمني المشروع بين دولتين “مستهدفتين” بمخططات تسعى إلى زعزعة استقرار المغرب العربي (15)، بينما اعتبره طرف ثالث تدخلاً يستدعي الحذر من أي تأويل يمسّ السيادة الوطنية التونسية.
هذا الانقسام في حد ذاته دال: فهو يعكس أزمة أعمق من مجرد تعليق على تصريح عابر، إنه انعكاس لتوتر بنيوي في الوعي السياسي التونسي بين من يرى في التضامن المغاربي ضمانة استراتيجية لا غنى عنها في مواجهة التحديات المشتركة، ومن يخشى أن يتحول هذا التضامن، إذا لم يُبنَ على تشاور واضح ومتكافئ، إلى وصاية مبطّنة تحت غطاء الأخوّة.
إلى أين تتجه الأمور؟
القراءة المتأنية لهذه الوقائع الثلاث — الفوضى الأمنية الليبية، أزمة المعبر الحدودي، والخطاب الجزائري — تكشف أن المنطقة تعيش لحظة إعادة تموضع جيوسياسي أكثر من كونها أزمة عابرة:
أولاً، الهشاشة الليبية لن تُحل بتصريحات الجوار وحدها، بل تستدعي مسار سياسياً ليبياً داخلياً حقيقياً ينهي منطق الميليشيات المسلحة، وهو ما تتقاعس عنه الأطراف الدولية الفاعلة في الملف الليبي كلما تعارض ذلك مع مصالحها.
ثانياً، الأمن الحدودي التونسي-الليبي يحتاج إلى تعاقد مؤسساتي دائم لا إلى إدارة أزمات موسمية، فكل جولة احتجاز وإفراج تكرّس هشاشة العلاقة بدل أن تبنيها.
ثالثاً، التضامن المغاربي، مهما كانت نياته صادقة، يظل مشروطاً بأن يُصاغ في إطار تشاوري يحفظ لكل طرف قراره السيادي، بعيداً عن أي قراءة أحادية قد تُستغل لتغذية الانقسامات الداخلية بدل تجاوزها.
في النهاية، ما تحتاجه تونس والجزائر وليبيا ليس تصريحات نارية ولا ردود فعل شعبية آنية، بل رؤية مغاربية جماعية تُخرج الأمن من حسابات الأنظمة الضيقة إلى أفق شعبي عربي جامع، يقطع مع منطق الوصاية والتبعية على حد سواء، ويعيد الاعتبار لفكرة أن مصير هذه الشعوب مشترك بحكم الجغرافيا والتاريخ، لا بحكم إرادة من يحكمها اليوم.
المراجع:
الجزيرة نت، “قتلى وفرار جماعي من سجن.. ماذا يجري في صرمان والزاوية غربي ليبيا؟”، 5 أغسطس 2026
صحيفة العرب، “ليبيا: قتلى في اشتباكات بالزاوية وصرمان وفرار سجناء”
Zoom Tunisia، “الإفراج عن 12 مواطناً تونسياً بعد احتجازهم في الزاوية الليبية”، يونيو 2026
مصراوي، “تبون: سنسحق كل من يحاول ضرب استقرار تونس والجزائر”، 27 يوليو 2026
مونت كارلو الدولية، “ليبيا: قتلى وجرحى وفرار سجناء في اشتباكات مسلحة في الزاوية”
أخبار ليبيا 24، “هروب سجناء من سجن صرمان جراء الاشتباكات”
جريدة القدس، “اشتباكات ليبيا: مواجهات في الزاوية وصرمان وهروب سجناء”
Ultra Tunisia، “إيقاف أكثر من 13 تونسياً في ليبيا.. استئناف عمل معبر رأس جدير”، مارس 2026
Zoom Tunisia، “ورقة المحتجزين تعمق التوتر: تفاصيل احتجاز تونسيين في الزاوية الليبية”
Radio Express FM، “استئناف حركة المرور بمعبر راس جدير بعد احتجاجات ليلية”
الجزيرة (aajeg)، “معبر رأس جدير… حلول ممكنة لتيسير الحركة بين تونس وليبيا”
مصراوي، مصدر سابق
وطن، “بعد تصريحات تبون.. هل أصبحت تونس خطاً أحمر في العقيدة الأمنية الجزائرية؟”
القدس العربي، “هكذا كشف خطاب تبون انقساماً تونسياً حول طبيعة العلاقة مع الجزائر”
العربي الجديد (نقلاً عن aajqa)، “تصريحات تبون بشأن الإرهاب تثير الجدل في تونس”

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك