تاريخ الاكراد و الفرس
التاريخ الذي سرقوه من الكورد ونردده نحن
ماذا قال السيد بافل طالباني، وماذا كشف حديثه عن وعينا بتاريخنا؟
من أخطر ما يواجه الوعي الكوردي اليوم أن تشويه التاريخ لم يعد يأتي فقط من خصوم الكورد والأنظمة التي احتلت كوردستان، بل يتسرّب أحيانًا إلى خطاب بعض النخب والقيادات الكوردية نفسها؛ إما بفعل تاريخٍ ملفّق جرى تلقينه عبر المناهج الرسمية، أو بسبب ضعف المراجعة والتدقيق، أو لأن مصطلحات صنعتها سرديات قومية لاحقة تُكرَّر وكأنها حقائق تاريخية ثابتة.
والمشكلة لا تقف عند خطأ في التسمية. فعندما تُختزل إمبراطوريات متعددة الشعوب والثقافات في هوية قومية واحدة، فارسية كانت أو عربية، نكون أمام إعادة إنتاج للرواية التي همّشت تاريخ شعوب المنطقة ووسّعت تاريخ مكوّن واحد على حساب الآخرين. فتسمية التاريخ ليست مسألة بريئة دائمًا؛ من يحتكر اسم الحضارة، يحتكر تدريجيًا ذاكرة الشعوب التي شاركت في صنعها.
وخير مثال ما لفت انتباهي في حوار مفتوح مع السيد بافل طالباني حول الدبلوماسية الإيرانية. فقد عرض، بأسلوب لافت ولغة إنكليزية سليمة وحجة تاريخية منطقية واضحة، قرابة ستة قرون من الصراع بين روما ثم بيزنطة من جهة، والبارثيين ثم الساسانيين من جهة أخرى، لكنه قدّمه في أكثر من موضع بوصفه صراعًا بين «الفرس والرومان»، ليستدل به على قدرة الدبلوماسية على تحويل نتائج الصراع العسكري إلى مكاسب سياسية.
لكن ما استوقفني لم يكن المثال، بل طريقة تسمية التاريخ نفسه. فقد تكرر الحديث عن «الإمبراطورية الفارسية»، وكأن البارثيين والساسانيين دولتان فارسيتان بالمعنى القومي الحديث، من دون تسمية الإمبراطوريتين بأسمائهما التاريخية، أو التوقف عند تركيبتهما البشرية والثقافية المتعددة.
البارثيون لم يكونوا دولة قومية فارسية، والساسانيون كذلك لا يمكن اختزالهم في «إمبراطورية فارسية» بالمعنى الذي كرّسته السرديات القومية المتأخرة. كانتا إمبراطوريتين واسعتين شاركت في تكوينهما شعوب ومناطق وثقافات متعددة، وكان لزاغروس وشعوبه حضور أساسي في بنيتهما السياسية والعسكرية والثقافية. أما تحويل تاريخ المجال الإيراني كله إلى «تاريخ فارسي»، فهو نتاج قراءات متأخرة أُسقطت بأثر رجعي على عصور أقدم، حتى بدا وكأن كل ما نشأ في ذلك المجال كان فارسيًا بالضرورة.
وهنا يتحول الخطأ التاريخي إلى مشكلة سياسية. فحين يكرر مسؤول كوردي هذه الرواية من دون تدقيق، فإنه، من حيث لا يقصد، يعيد إنتاج السردية التي أخرجت الكورد من تاريخ جغرافيتهم، وقلّصت نصيبهم من الحضارات التي شارك أسلافهم في صنعها.
والمفارقة أنني كنت، بالمصادفة، أشاهد الفيلم الأمريكي «محاربو الصحراء» عن معركة ذي قار، التي جرت وقائعها ما بين 609-611 م، أي قبل الإسلام بعقود. وطوال الفيلم استُخدمت التسميات التاريخية: الساسانيون، إمبراطور ساسان، قادة الجيش الساساني وجنرالاته، من دون أن يتم ذكر «الفرس» كليا طوال الفيلم. مخرج سينمائي التزم اسم الدولة التاريخي، بينما قد يقع بعض السياسيين الكورد في تكرار رواية قومية متأخرة وكأنها حقيقة أزلية.
وهنا جوهر المسألة، خصوم الكورد أعادوا تشكيل تاريخهم عن وعي، وبعض الكورد يعيدون ترديد تلك الرواية عن نقص في المعرفة أو الوعي التاريخي، من دون أن يعني ذلك نقصًا في وطنيتهم أو طعنًا فيها.
فالأمم لا تخسر الأرض وحدها؛ قد تخسر أسماءها وذاكرتها ونصيبها من الحضارات أيضًا. ولذلك فإن معرفة التاريخ بالنسبة إلى السياسي الكوردي ليست ترفًا ثقافيًا، بل جزء من أدواته السياسية والدبلوماسية؛ فمن يقرأ تاريخ شعبه بلغة خصومه قد يجد نفسه يدافع عن حقوقه اليوم بالرواية التي صيغت أصلًا لتهميشه.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية



إرسال التعليق