التكنولوجيا لا تصنع الإنسان

رشيد مصباح (فوزي)

*

قد يشتري الإنسان أحدث هاتف في العالم، ويقود أفخم سيارة، لكنه يبقى أسير طريقة تفكير لم تتغيّر. فالتكنولوجيا تُغيّر الأدوات، لكنها لا تُغيّر الإنسان، ما لم يتغيّر وعيه وأخلاقه.

لا شك أن تحسّن الظروف المعيشية لكثير من الجزائريين مكّنهم من اقتناء سيارات مريحة، وهواتف ذكية من أحدث الطرز، أصبحت ترافقهم في كل مكان، حتى غدت جزءًا من مظهر الحياة اليومية. غير أن امتلاك وسائل التكنولوجيا شيء، والقدرة على توظيفها توظيفا حضاريا شيء آخر.

فكم من شخص يحمل في جيبه هاتفا يختزل مكتبات العالم، لكنه لا يستخدمه إلّـا في تصفّح الصور، أو متابعة المقاطع القصيرة، أو الانغماس في جدالات عقيمة على مواقع التواصل الاجتماعي. لقد تطوّرت الأدوات، لكن طريقة استعمالها لم تتطور بالوتيرة نفسها.

ومن المواقف التي استوقفتني أن أحد جيراني، وهو سائق متقاعد، أرسل إليّ طلب صداقة عبر ”فيسبوك“. لم أتردّد في قبوله، وإن كنتُ قد استغربتُ اهتمامه بعالم التواصل الاجتماعي، لأن طبيعة تكوينه واهتماماته لم تكن توحي بأنه من روّاد هذا الفضاء، ولا من المهتمّين بما يتيحه من فرص للاطلاع وتبادل المعرفة.

في البداية كان حضوره عاديا، يكتفي بالإعجاب ببعض المنشورات، ولا سيما تلك التي كانت تتناول شخصيات يعرفها أو تربطه بها صلة. لكن الأمر لم يلبث أن تغيّر، حين كتب تعليقا تضمّن إساءة إلى الرئيس التونسي الأسبق الدكتور المنصف المرزوقي الذي نشرتُ فيديو يتضمّن خطابا له. وقد يختلف الناس حول مواقفه السياسية، لكن الاختلاف في الرأي لا يبرّر أبدا الانحدار إلى مستوى السبّ والشتم.

وهنا أدركتُ أن المشكلة ليست في شخص بعينه، وإنما في ظاهرة أخذت تتّسع مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. فقد منحت هذه المنصات الجميع حق التعبير، وهو حق مشروع، لكنها منحت أيضا بعض الناس وهْم امتلاك الحقيقة المطلقة، وجعلت آخرين يظنّون أن امتلاك هاتف ذكيّ يكفي لامتلاك المعرفة، وأن حريّة التعبير تعني حريّة الإساءة.

ولذلك لم أتردّد في حظر حسابه، لا بدافع الخصومة الشخصية، ولا بسبب اختلاف الرأي، وإنما لأن الحوار لا يستقيم إذا فقد الحد الأدنى من الاحترام. فالاختلاف حق، أما الإهانة والسب والشتيمة فليست رأيا، ولا يمكن أن تكون بديلا عن الحجة والبرهان.

لقد أصبحنا نخلط، في كثير من الأحيان، بين التقدّم الماديّ والرّقيّ الحضاريّ. فشراء سيارة فاخرة أو هاتف حديث لا يجعل الإنسان، بالضرورة، أكثر ثقافة أو وعيا، كما أن التكنولوجيا لا ترفع مستوى الفكر إذا لم يصاحبها احترام للآخر.

لقد يسّرت التكنولوجيا الوصول إلى المعرفة، لكنها لم تجعل الناس جميعا أكثر معرفة. كما يسّرت حرية التعبير، لكنها لم تعلّم الجميع آداب الاختلاف. فالأدوات تتطوّر بسرعة مذهلة، أما الإنسان فلا يرتقي إلّـا إذا ارتقى فكره وأخلاقه.

فليست المشكلة في الهاتف الذكي، بل في العقل الذي يحمله. فالتكنولوجيا تصنع أجهزة أكثر ذكاء، لكنها لا تستطيع صنع إنسانا مثقّفا وأكثر حكمة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك