انتبه… أنا هنا
قصة قصيرة جداً:
في كل مرة كانت تذهب فيها إلى منزل عائلتها، تحاول أن تفرح بجمعة الأهل وتبادل الأحاديث مع أمها
وأخيها، غير أن ثمة شيئاً في أعماقها كان يكسر فرحتها تلك. فبمجرد أن يدخل زوجها البيت، تلاحظ عينيه
تبحثان بسرعة عن زوجة أخيها.
كانت زوجة أخيها بشوشة الوجه، لا تنتهي أحاديثها، وتملأ ضحكتها أرجاء المكان؛ حيث ينسجم الجميع
مع حديثها حين تتكلم. لكن زوجها كان يستمع إليها بطريقة مختلفة، أو هكذا كانت تشعر هي على الأقل.
في يوم العيد، اجتمعوا جميعاً كما جرت العادة في كل عام. كانت الجلسة مفعمة بالضحك والأحاديث الدافئة،
بينما كانت زوجة أخيها تتنقل بنشاط، توزع الشاي وتستقبل الضيوف، وهي في أبهى حلتها ومظهرها الأنيق.
وأثناء جلوسها في مكانها، كانت تراقب زوجها عن بُعد.
كلما تحدثت زوجة أخيها، سارع زوجها بالتعليق، وكلما ضحكت، شاركها الضحك، وكلما فتحت موضوعاً،
انطلق لسانه بالكلام بعد أن كان صامتاً طوال الطريق!
حاولت أن تقنع نفسها قائلة: “ربما هو مجرد إعجاب بشخصيتها الاجتماعية”، لكن قلبها كان يعتصر ألماً
في كل مرة ترى فيها عينيه تلاحقان حرَكاتها وسَكَناتها.
لحظة المكاشفة
وبعد عودتهما إلى المنزل في ذلك اليوم، لزمت الصمت لساعات طويلة. لاحظ زوجها ذلك وسألها:
– شبيج؟ مو على طبيعتج.
تنهدت بعمق وقالت:
– أريد أسألك سؤال، بس جاوبني بصراحة… ليش من نكون ببيت أهلي أشوفك مرتاح بالحچي ويا امرأة
أخوي أكثر من أي شخص ثاني؟
استغرب في بداية الأمر، ثم سكت قليلاً وأجاب:
– لأن سوالفها هواية، وتعرف تفتح مواضيع. مو أكثر.
خفضت عينيها نحو الأرض وقالت بنبرة خافتة:
– يمكن قصدك بريء، بس تدري شنو أشوف؟ أشوفك تضحك وياها أكثر مني، وتنتبه إلها أكثر مني. وهذا
الشي يوجعني.
ولأول مرة، استوعب حقيقة شعورها؛ لم تكن مجرد غيرة من زوجة أخيها، بل كان خوفاً تسرب إلى قلبها
من أن تصبح غير مهمة في عينيه كما كانت من قبل.
دنَا منها وقال:
– إذا خليتج تحسين بهالشعور، فأني غلطان. يمكن ما انتبهت لتصرفاتي، بس ما أريدج تضوجين ولا تشكين
بمكانتج عندي.
في تلك الليلة، لم تتلاشَ جميع المشاكل سحراً، لكن الخطوة الأولى قد قُطعت بالفعل: الصراحة.
في كثير من الأحيان، لا تكمن المشكلة في النظرات ولا في الكلمات… بل في الوجع الذي يظل كتيماً داخل
القلب، حتى يجد فرصته ليعبّر عن نفسه.
……………………………………………………………………………..
حيدر حسين سويري
كاتب وأديب وإعلامي



إرسال التعليق