اخر الاخبار

أنوار العشق الإلهي: حين يكون الحبُّ طريقاً للخلود

حيدر حسين سويري
تَمَنَّتْ سُلَيْلَةُ أَنْ يَكُونَ لَهَا الهَوَى لَكِنَّ قَلْبِي عَنْ سُلَيْلَةَ جَافِي
​نَحْوَ الحُسَيْنِ وَقَبْرِهِ كَانَ الهَوَى
هُوَ بَلْسَمُ الجُرْحِ الشَّنِيعِ الشَّافِي
طالما شغفت الفطرة البشرية بالبحث عن “الحب الحقيقي”، واستنزف الإنسان عمره في تلمّس دفء
الهوى في ملذات الدنيا ومفاتنها؛ فتارةً يظنه في الشغف بين الرجل والمرأة، وتارةً يخاله في جمع المال
والاولاد والجاه، أو الحظوة والسلطان. غير أن التجرّبة الإنسانية أثبتت مراراً أن كل عشقٍ أرضي يتضاءل
مع الأيام، وكل حبٍّ ماديٍّ يذبل مع تسلل الزمن، ليترك النفس في فاقةٍ روحيّةٍ لا يملؤها إلا ما كان مطلقاً
وباقياً.
إن الحب الحقيقي في جوهره ليس انفعالاً عابراً تجاه زائل، بل هو صلةٌ بالكمال المطلق؛ إنه حب الخالق
جلّ وعلا.
أولاً: العشق الإلهي.. أصل الوجود وسكن الروح
ليس الحب الإلهي مجرد تكليفٍ شرعي أو أداءٍ لفرائض مجردة، بل هو طمأنينة القلب وعشيقه الأول. يقول
تعالى في محكم كتابه: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ.
عندما يتذوق الإنسان حلاوة الأنس بالله، تتبدل في عينيه أولويات الوجود؛ فيرى أن كل جمالٍ في هذا
الكون إنما هو قبسٌ من جمال خالقه، وأن كل نعمةٍ إنما هي نفحةٌ من جوده. هنا يستنير الفؤاد، ويفنى العشق
المادي الزائل ليفسح المجال لحبٍّ يمنح الروح خلودها وأمانها.
ثانياً: حبُّ من أمر الله بحبّهم.. آل البيت أوتاد الهداية
ولأن الحب الإلهي يحتاج إلى سُبلٍ موصلة ومظاهر تجسّده في عالم الشهادة، جعل الله تعالى حب نبيّه
المصطفى محمد صلوات الله وسلامه عليه وآله وأهل بيته الأطهار امتداداً طبيعياً لحبه، وفرض مودتهم في
كتابه الكريم: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ.
حبُّ محمدٍ وآله ليس مجرد عاطفةٍ مجردة، بل هو انضباطٌ على منهج الجمال والكمال، واقتداءٌ بأحسن
الأخلاق. هم السبل إلى الله، والوسيلة التي يتعلم منها البشر كيف يكون الفداء، وكيف يتسامى الحب ليكون
مبدأً وعقيدة.
ثالثاً: في محراب العشق الحسيني.. زيارةٌ تختصر الخلود
في هذا الفلك المحمدي الطاهر، يتجلى حبّ الإمام الحسين عليه السلام كأسمى صورةٍ عرفتها البشرية
للفداء والعشق الإلهي. لقد قدّم الحسين كل ما يملك في كربلاء، ليعلّم العالم أن الحب الحقيقي هو تقديم النفس
في سبيل الحق والعدالة، ولتظل كلماته الخالدة في مناجاته تجسيداً لهذا العشق:
“تَرَكْتُ الْخَلْقَ طُرّاً فِي هَوَاكَ … وَأَيْتَمْتُ الْعِيَالَ لِكَيْ أَرَاكَ
من هنا، أصبحت زيارة الإمام الحسين عليه السلام مسيراً روحياً تجتمع فيه القلوب العاشقة، ورحلةً يترجم
فيها الزائر شغفه بالمسير نحو مشهده الشريف. إنها ليست مجرد قطعٍ للمسافات، بل هي تجديدٌ للعهد، وغسلٌ
للروح من أدران الماديات، ووفاءٌ لمبادئ سيد الشهداء. في صحنه الشريف، يجد الزائر البلسم لكل جراحه،
ويشعر بأن العشق قد بلغ منتهاه؛ حيث تلتقي الدمعة باليقين، والسير بالوصول.
بقي شيء…
إن الحب الذي يرفع قدر الإنسان ويحرره من قيد الفناء، هو ذلك الذي يتصل بالله وبأوليائه المقربين. أما
ما دونه من ملذات الدنيا وزينتها فما هي إلا محطاتٌ عابرة. يبقى عشق الله، وحب محمد وآله الأطهار،
والشغف بزيارة الحسين عليه السلام، هو الباقي الذي يسكن الفؤاد في الدنيا، ويكون الشفيع والزاد في
الآخرة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك