لماذا صار أبناؤنا يمرضون باستمرار؟
نجم الدين سي عثمان
يمكنك أن تزور أي طبيب أطفال لتجد عيادته مكتظة في كل وقت.
مناعة أطفالنا صارت أضعف؛ يمرض الطفل ويعالج، وحين يبدو أنه تعافى تمامًا، يعاوده المرض من جديد في وقت وجيز، الغيابات المدرسية كما يخبرني بعض المعلمين، صارت كثيرة وملحوظة.
في المقابل، قد ترى طفلًا في بيئة قاسية يتمتع بصحة جيدة على امتداد الوقت، مثل بعض أطفال اللجئين من النيجر، الذين نادرًا ما يمرضون، فتراهم في المكان نفسه كل يوم وأحيانا بلا معاطف شتوية، وهنا يبرز السؤال : أين تكمن المشكلة؟
قبل الإجابة، تذكرت هذه القصة، رواها لي جارٌ سابق وتعود إلى طفولته.
يقول إنهم كانوا يقيمون في حي فولتير (سيدي مبروك السفلي حاليًا بقسنطينة)، غير بعيد عن عائلة فرنسية لها ابن في سنهم، لكنه كان دائم المرض، يتردد باستمرار على الأطباء، تراجعت شهيته وتدهورت حالته تدريجيًا حتى صار يخاف الخروج.
ويضيف أن عائلته كانت جزءًا من المشكلة؛ فوالده كان يخشى عليه من الزكام، ومن الناس، ومن كل شيء تقريبًا، فأحكم إغلاقه عليه في البيت.
وذات يوم، أخذه والده إلى طبيب الحي، “السيد لوبار”، بحثًا عن حل. لكن الطبيب، الذي كان يعرف حالة الطفل جيدًا، لم يصف له أي دواء، بل اكتفى بنصيحة بدت غريبة: “اتركه يلعب مع أطفال الحي من العرب، ولا تراقبه… وسيتعافى”.
في البداية، بدا الأمر شبه مستحيل – يقول الرجل – كنا مختلفين عنه تمامًا؛ كنا عراة، متسخين، جياعًا، نركض حفاة على التراب طوال الوقت، بينما كان هو بدينًا، نظيفًا، هشًّا، وطريًّا، كأنه ليس من عالمنا، لم يكن اندماجه بيننا سهلًا؛ احتاج الأمر إلى جهد كبير، وإلى رشاوى صغيرة كان يقدمها والده كل مرة – حبات حلوى وقطع شوكولاتة – حتى نقبله بيننا.
وما إن مرّت عشرة أيام تقريبًا، حتى صار واحدًا منا؛ يلعب بالتراب، يتشاجر، يرمي الحجارة، يعضّ ويخمش، يَجرح ويُجرح، وكان والده يراقبه من بعيد دون أن يتدخل، لم يكن أمامه إلا أن يصبر على ما يراه، خصوصًا وهو يلاحظ ابنه يتحسن يومًا بعد يوم.
يواصل الرجل حكايته ضاحكًا: “بعد أسابيع، شججتُ رأس الطفل الفرنسي بحجر من غير قصد. فجأة، خرج والده من مكان لم أنتبه إليه، خفت جدًا، لكنه اقترب بهدوء، وراح يمسح الدم عن رأس ابنه بمنديل، وهو يقول بهدوء: C’est rien, c’est rien (لا بأس، لا بأس)”.
بعدها بفترة قصيرة، استقلت الجزائر، واختفى الطفل بعد أن شفي تمامًا.
وفي ختام القصة، يلخص الرجل المعنى بجملة لافتة: “كنا مثل البكتيريا النافعة؛ وفّرنا لذلك الطفل بيئة للشفاء، فتعافى جسديًا ونفسيًا، واستعاد جزءًا متأخرًا من طفولته”.
🔸استطيع أن أستخرج من قصة حدثت عام 1961 وصفة تصلح لعام 2026: حبس طفل في طابق علوي من عمارة، منعه من التعرض للعالم – الشمس، التراب، الهواء، البكتيريا والميكروبات – مضافًا إليه أكل غير صحي وخوف مفرط وقلق دائم، واستخدام مكثّف للأدوية، خصوصًا المضادات الحيوية في السنوات الأولى؛ هذه هي الوصفة المثالية للمرض.
وفي القصة أعلاه أيضا ملامح الحل: كيف يستعيد الطفل عافيته حين يخرج من دائرة الحماية الزائدة، بشكل مدروس طبعًا وفي بيئات غير ملوثة.
والمفارقة أن كثيرًا من الأمهات لا يستطعن قبول هذا، يلعب الطفل بالتراب فتمنعه، يسقط فتركض إليه، وتصرّ على إبقائه أمام عينيها، بينما التراب نفسه – والبكتيريا النافعة فيه – جزء من المناعة؛ واللعب فيه ضروري بيولوجية، والعلم يثبت هذا.
اللعب بالتراب مفيد علميا، في 2019 نشر البروفيسور تاري هاهتيلا وهو عالم مناعة فنلندي، فرضية “التنوع البيولوجي” في مجلة Allergy، وتفيد أن الجهاز المناعي يحتاج إلى احتكاك مبكر بالبكتيريا الطبيعية في التراب والهواء والنباتات ليتوازن ويعمل بشكل صحيح، مما يقلل من خطر الحساسية والالتهابات، وفي تجربة أخرى بعدها في فنلندا دائما، طُلب من الأطفال اللعب يوميًا في بيئات طبيعية غنية بالتراب والنباتات، وبعد 28 يومًا فقط، تغيّرت مؤشرات جهازهم المناعي للأحسن بشكل واضح، مقارنة بأطفال يعيشون في بيئات نظيفة ومعقمّة.
بعبارة أدق:
🔸 جهاز المناعة عند الطفل لا يتحسن في البيت، بقدر ما يتحسن عند اللعب خارج البيت…
🔸وبعبارة أخرى : الطفل الذي اعتاد الركض في الريف حافيًا في الغالب يكون أفضل مناعة من طفل محاصر دومًا في الطابق العاشر، لا يرى الخارج إلا من وراء الزجاج، ومن دون أي اتصال حقيقي بالأرض.
🔸أما الخلاصة الأخرى من واقع حياتنا:
من الطبيعي أن يمرض طفلٌ يُكثر من أكل الشيبس والحلويات. ومن الطبيعي أنه حين يمرض يتناول مضادات حيوية، وحين يتناول المضادات الحيوية يختلّ توازن بكتيريا أمعائه، وحين يختلّ هذا التوازن تضعف مناعته، فيمرض أكثر، ومع تكرار المرض يستحوذ الخوف على الأم، فتحاصره داخل البيت. وحين لا يخرج ولا يحتك بالعالم الخارجي، يزداد الأمر سوءًا؛ لأن جسمه لا يتعرّف على البكتيريا النافعة التي يحتاجها، فيمرض بمجرد أن يتعرض لها، وهكذا تصبح الدائرة مغلقة، فتكتظ العيادات، ونبقى نطرح السؤال: لماذا يمرض أبناؤنا كثيرًا؟
والجواب: قد لا تكون المشكلة في أطفالنا، بل في طريقة تربيتهم، الخوف الزائد والحماية المفرطة تضعفهم، نحاصرهم بحسن نية، لكننا بذلك نسلبهم القدرة على مواجهة أبسط فيروس.
👈 هل مناعة أطفالك قوية؟



إرسال التعليق