تراتيل الأبوة.. بين قيد العُرف ونداء الفطرة
بقلم: الأستاذ حشاني زغيدي
ثمة عواطف في أعماقنا أصابها التيبس، وصارت كالأرض القاحلة التي هجرها المطر، حتى كادت تلامس ضفاف القسوة؛ حين يصرّ من أرادوا كتم أنفاس الأبوة، وحرمان الآباء أجمل لحظات العمر وأعذبها، وحرمانهم من ساعات الأُنس التي تجعل المرء يعيش أسمى تجليات الفطرة الربانية.
أقول في نفسي متعجباً، وأنا أتأمل أحداثها: هل من قوة قاهرة تملك حقاً منع تلك العواطف الكامنة من الظهور؟ ألا يحق لنا أن نحركها لتحنو وترق؟ حين تطرق أبوابنا ساعات الهناء، وتغمرنا تباشير البشر، لتزهو خواطرنا بأنغام وأهازيج تُمليها علينا طبيعتنا الفطرية الصافية.
تخاطبني نفسي…
فيا أفراح الهناء، جددي في عروقنا وأعيدي لنفوسنا بوح الصبا العفوي، واسترجعي لنا ذكريات الشباب النضرة. أعيدي لنا فرحة الأب وهو يرى ثمار حياته تزهر أمام عينيه، ليتحرر من قيود الوهم التي حجبت عنه شمس الحقيقة.
تخاطبني نفسي…
أن أحاول البحث في القواميس لعلي أجد تفسيراً لهذا العُرف الغريب، الذي يغلّ يد الأب عن فيض مشاعره تعللاً بأوهام بالية، وأعرافٍ تورث القطيعة والجمود. لقد شوهت هذه التقاليد سمو الوقار، وحولته إلى سياج يمنع الأب من إبداء غبطته بميلاد طفله، أو فخره بنجاح ابنه، أو أنسه باستقرار ذريته. إن كسر هذا الطوق هو انتصار لنداء الروح على ركود الموروثات التي جف نبضها.
تخاطبني نفسي…
كيف يضيق العُرف بالبِشر والسرور، والشرع الحنيف يفيض رحمةً وليناً؟ فالدين ما جاء ليحبس الأنفاس، بل جاء ليزكي القلوب ويطلق سراح العاطفة الصادقة. إن أصالة المنهج الرباني تتجلى في حنو الوالد، وفي جعل الابتسامة قربى، وفي اعتبار الرحمة بالصغار سبيلاً لرحمة الرحمن. فالأب الذي يرق قلبه ويمنح الود، هو الأصدق تعبيراً عن جوهر الرسالة وفطرة الخالق.
تخاطبني نفسي…
أن أشرع ذراعيك نحو الحنان والبهجة لنحيي نداءً إنسانياً دفيناً، لا تمحوه السنون ولا تقيده الحواجز الواهية. كل لحظة جميلة تصنع فينا نبض حياة؛ فميلاد حلم، أو نجاح خطوة، أو سكن نفس، هي محطات تفيض فيها المشاعر لتعلن أن “النبض الحي” أقوى من كل محاولات الكتمان. هي أهازيج فطرية تعيد للأب ربيعه، وتجعله يرى شمس عمره تشرق من جديد في وجوه أبنائه.
تخاطبني نفسي…
يا أفراح الهناء، جودي علينا بذاك البوح القديم، ودعي العواطف المتجمدة تذوب في حرارة اللقاء، ليعيش الآباء أسمى ساعات أنسهم، بلا وجلٍ من لوم، وبلا قيدٍ من سراب.



إرسال التعليق