05 دقائق قبل اندلاع الحرب النووية العالمية الكبرى
05 دقائق قبل اندلاع الحرب النووية العالمية الكبرى
حوالي اقل من 05 دقائق ، كان الفارق الزمني بين دخول العالم حربا نووية عطمى عالمية ستدمر الحياةفوق كوكب الارض ، ففي 26 سبتمبر 1983، الساعة تجاوزت منتصف الليل بقليل.
العالم يغرق في نومه، غير مدرك أن كوكب الأرض كان يلفظ أنفاسه الأخيرة.. أو هكذا تقول الشاشات.
بطلنا اليوم ليس جندياً في ساحة المعركة، بل هو العقيد السوفيتي “ستانيسلاف بتروف”.
فجأة، انطلق إنذار أحمر مدوٍّ في مركز الإنذار المبكر السوفيتي. الشاشة الكبيرة في صدر القاعة تومض بكلمة واحدة مرعبة: “إطلاق”.
قمر صناعي سوفيتي أرسل إشارة قطعية: الولايات المتحدة أطلقت صاروخاً نووياً عابراً للقارات باتجاه موسكو.
وقف بتروف، تجمدت الدماء في عروقه. القاعدة العسكرية تقول: “إذا هوجمنا، يجب أن نرد فوراً بكل ما نملك”.
ولكن، بينما كان الضباط من حوله ينتظرون أمره بالضغط على “الزر الأحمر”، سكن بتروف لثوانٍ.
سأل نفسه: لماذا يطلقون صاروخاً واحداً فقط؟ هل يبدأ الأمريكان حرباً عالمية بصاروخ واحد؟
لم يمهله القدر طويلاً للتفكير. دوت الصرخة الثانية.. ثم الثالثة.. الرابعة.. الخامسة!
الرادار الآن يؤكد: خمسة صواريخ نووية أمريكية في طريقها لتدمير موسكو.
كان أمام بتروف 20 دقيقة فقط قبل أن تسقط الصواريخ وتتحول موسكو إلى رماد.
النظام الكمبيوتري كان يعمل بكفاءة 100%، والتقارير تقول إن “الموثوقية عالية جداً”.
ضباطه كانوا يصرخون: “سيدي، يجب أن نبلغ القيادة العليا فوراً لإطلاق الرد النووي!”.
لو اتصل بتروف بالرئيس السوفيتي في تلك اللحظة، لكان الرد هو إطلاق آلاف الرؤوس النووية باتجاه واشنطن ولندن وباريس.. كانت ستكون النهاية الحتمية للبشرية.
بتروف كان يملك خيارين فقط في هذه اللحظة الحاسمة ،اما أن يصدق الآلة ويبلغ عن الهجوم، لتبدأ الحرب العالمية الثالثة ويموت المليارات.
أو أن يثق بحدسه ويعتبر ما يراه “عطلاً فنياً”، ويخاطر بأن يدمر بلده دون رد إذا كان الهجوم حقيقياً.
مرت الدقائق كأنها سنوات على بتروف.
عرق بارد يتصبب على وجهه. نظر إلى الشاشات التي تصرخ “خطر نووي”، ثم نظر إلى رجاله، ورفع سماعة الهاتف.
قال بتروف بصوت ثابت رغم الرعب: “إنه إنذار كاذب.. أكرر، خلل في النظام”.
كانت الدقائق العشر الأطول في التاريخ بالنسبة له..
بعد إبلاغه بأنه خلل فني، جلس بتروف ينتظر.
لو كان مخطئاً، لكان سيشاهد وميضاً نووياً هائلاً من نافذته ينهي حياته وحياة شعبه بعد دقائق.
عشر دقائق مرت.. لم يحدث شيء.
خمس عشرة دقيقة.. صمت تام.
عشرون دقيقة.. لم تسقط قنبلة واحدة.
اتضح لاحقاً أن القمر الصناعي السوفيتي أخطأ في تفسير انعكاس أشعة الشمس على السحب العالية، وظنها لهيب انطلاق صواريخ!
كان حدس بتروف صحيح..
بتروف لم يُكافئ في وقتها، بل تم توبيخه لأنه لم يملأ السجلات الرسمية بدقة أثناء الحادثة!
بعد الحادثة مباشرة، خضع بتروف لتحقيقات قاسية. وبدلاً من شكره على إنقاذ الكوكب، قام قادته بتوبيخه رسمياً.
وكان السبب المعلن أنه لم يسجل التفاصيل في “دفتر اليومية” أثناء وقوع الحادثة (وهي حجة بيروقراطية سخيفة، فمن سيهتم بالدفاتر والعالم على وشك الانفجار؟).
ولكن السبب الحقيقي هو اعترافهم ببطولة بتروف يعني اعتراف القيادة السوفيتية بأن نظامهم الدفاعي الذي كلف المليارات كان فاشلاً ومخطئاً، وهو ما لم تسمح به “عزة النفس” العسكرية آنذاك..
تم تهميش بتروف ونقله إلى وظيفة أقل شأناً، ثم أُجبر على التقاعد المبكر. عاش في شقة صغيرة متواضعة بضواحي موسكو، يعيش على معاش تقاعدي ضئيل جداً. لسنوات طويلة، لم تعرف حتى زوجته “رايسا” ما فعله زوجها؛ فقد ظل الأمر سراً عسكرياً مغلقاً، ولم يعرف العالم قصته إلا بعد سنوات طويلة من نهاية الحرب الباردة.
وصل به الحال في التسعينيات إلى الفقر الشديد، لدرجة أنه كان يزرع الطماطم في حديقة منزله ليوفر طعامه.
وعندما تعطل هاتفه الأرضي، لم يملك المال لإصلاحه، وظل معزولاً عن العالم.
وفي عام 1998، كشف رئيسه السابق تفاصيل الحادثة في مذكراته، وصعق العالم!
فجأة، بدأت الوفود الدولية تطرق باب شقته المتهالكة عندما علموا الحقيقة ،حصل على جائزة المواطن العالمي في مقر الأمم المتحدة بنيويورك.
و تم تصوير فيلم وثائقي عنه بعنوان “الرجل الذي أنقذ العالم”.
و التقى بنجوم عالميين مثل “روبرت دي نيرو” و”كيفن كوستنر” الذين أرادوا فقط مصافحة الرجل الذي لولاه لما كانوا موجودين اليوم.
رحل ستانيسلاف بتروف في 19 مايو 2017 عن عمر يناهز 77 عاماً
المؤلم في الأمر أن وفاته لم يعلم بها العالم إلا بعد أربعة أشهر، عندما اتصل صديق ألماني ليهنئه بعيد ميلاده، ليخبره ابنه أن والده قد رحل بهدوء كما عاش.
مات بتروف وهو يقول دائماً: “أنا لست بطلاً، كنت فقط الرجل المناسب في المكان المناسب”.
والأن هل تعتقد أننا اليوم، في عصر “الذكاء الاصطناعي”، يمكن أن نثق بـ “بتروف آلي” لاتخاذ مثل هذا القرار؟
أم أن “الحدس البشري” هو صمام الأمان الوحيد؟



إرسال التعليق