ما جرى ويجري حول قضية جيفري إبستين لا يمكن فهمه باعتباره «فضيحة أخلاقية…


ما جرى ويجري حول قضية جيفري إبستين لا يمكن فهمه باعتباره «فضيحة أخلاقية» فقط، بل بوصفه نموذجًا مكتملًا لإدارة الأزمات السياسية في عصر حروب المعلومات. فحين تتورط شبكات نفوذ عابرة للحدود، مالية وسياسية وإعلامية، لا يكون الهدف احتواء الحقيقة، بل تفكيك قدرتها على الإقناع. هنا لا تُستخدم الرقابة المباشرة، بل سلاح أكثر فاعلية: الإغراق والتشويش.
منذ إعادة إحياء القضية إعلاميًا، امتلأت منصّات التواصل بصور مزيفة، ووثائق بلا مصادر، وتسريبات متناقضة، كثير منها مصنوع بتقنيات الذكاء الاصطناعي. هذه الفوضى لا تهدف إلى إثبات رواية بديلة، بل إلى تدمير فكرة «الرواية الموثوقة» نفسها. حين يرى المتابع عشرات الصور المتعارضة، لا يسأل: أيها صحيح؟ بل يصل إلى نتيجة أخطر: لا شيء يمكن تصديقه. وهنا تتحقق الغاية السياسية.
هذا الأسلوب ليس جديدًا. استخدمته أجهزة الاستخبارات السوفيتية في الحرب الباردة تحت اسم «إجراءات نشطة» (Active Measures)، ثم طُوّر لاحقًا في الفضاء الرقمي. المثال الأوضح كان التدخل في الانتخابات الأمريكية عام 2016، حيث لم يكن الهدف دعم مرشح بعينه، بل ضرب الثقة في العملية الديمقراطية نفسها. المثال الثاني ظهر أثناء جائحة كوفيد-19، حين أُغرقت الساحة بمعلومات طبية متناقضة، ففقدت قطاعات واسعة الثقة بالعلم والمؤسسات الصحية، وهو مكسب سياسي بحد ذاته.
في قضية إبستين، الخطر لا يكمن فقط في الجرائم المثبتة قضائيًا، وهي جرائم موثقة بأحكام وشهادات رسمية، بل في ما تمثله القضية من تهديد محتمل لشخصيات نافذة. لذلك يتم نقل المعركة من ساحات القضاء إلى ساحات الإدراك العام. فبدل أن يسأل الناس: من تستر؟ ومن استفاد؟ ولماذا أُغلقت بعض المسارات القضائية؟ يصبح الجدل منصبًا على صور مزيفة وقصص جانبية، تستهلك الغضب وتشتت الانتباه.
سياسيًا، هذه الاستراتيجية تخدم منطق الدولة العميقة (Deep State) وشبكات المصالح الكبرى: العدالة لا تُلغى رسميًا، لكنها تُفرغ من معناها. لا يتم نفي الجرائم، بل يتم إغراقها في ضجيج يجعل المطالبة بالحقيقة تبدو ضربًا من الهوس أو نظرية مؤامرة. وهكذا يتحول الشك من أداة نقدية صحية إلى أداة شلل جماعي.
أخطر ما في هذه الحملات ليس التزييف ذاته، بل تطبيع الفوضى المعرفية. فحين تنهار الثقة في الصحافة الاستقصائية، وفي الوثائق القضائية، وفي فكرة الحقيقة القابلة للإثبات، ينتصر الأقوى دون أن يبرئ نفسه. وما لم يُدرك الرأي العام أن التشويش سياسة، وأن الضجيج سلاح، ستتكرر التجربة لا في قضية إبستين وحدها، بل في كل قضية تمس السلطة والمال والنفوذ.

د محمد إبراهيم بسيوني

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك