‏اقتصاد الرهان الواحد

‏اقتصاد الرهان الواحد
‏محمد النصراوي
‏ظل الاقتصاد العراقي على مدى عقود أسيراً لسطوة “برميل النفط”، حيث ارتهنت السياسات المالية للدولة لتقلبات أسعار النفط العالمية في مشهد يفتقر إلى أدنى مقومات الاستشراف الاستراتيجي، هذا التحقيق يتتبع خيوط الأزمة التي لم تكن وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمي لسياسات حكومات متعاقبة أدمنت الحلول السهلة وأهملت بناء قاعدة إنتاجية حقيقية، حتى وصل الحال اليوم إلى جعل جيب المواطن هو الخزان البديل لتعويض العجز المالي، إن الأرقام الصادمة تشير إلى أن النفط لا يزال يهيمن على نحو ٩٠٪ من إيرادات الموازنة العامة، مما يعني أن الدولة العراقية، بكل ثقلها التاريخي والبشري، لا تزال تعمل بعقلية “محطة الوقود العالمية”، دون أن تنجح في تحويل هذه الوفرة المالية إلى تنمية مستدامة تحمي المجتمع من الهزات النقدية.
‏تبدأ القصة من الفشل الذريع في تنويع مصادر الدخل، حيث يرى خبراء اقتصاديون أن الاعتماد المفرط على الريع النفطي جعل الاقتصاد العراقي عرضة لتآكل القدرة التنافسية للقطاعات الأخرى مثل الزراعة والصناعة أمام سيل المستوردات، هذا الإهمال المتعمد للمصانع والقطاعات الإنتاجية جعل الدولة في مواجهة مباشرة مع الأزمات عند أي انخفاض في أسعار الخام، وعندما ضاقت الخيارات، لم تجد السلطات النقدية والمالية حلاً سوى اللجوء إلى “الجراحة المؤلمة” عبر رفع قيمة الدولار مقابل الدينار في أواخر عام ٢٠٢٠ (من ١١٨٢ إلى ١٤٥٠ ثم التعديلات اللاحقة)، وهو قرار كان يهدف ظاهرياً إلى سد فجوة العجز، لكنه واقعياً أدى إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين بنسبة تجاوزت ٢٠٪، مما دفع بمئات الآلاف إلى ما دون خط الفقر الذي تبلغ نسبته حالياً نحو ١٧٪ وفق تقارير وزارة التخطيط.
‏لم يتوقف الأمر عند العملة، بل امتد ليشمل ملف الجمارك والضرائب، وهنا نجد أن الحكومة الحالية وقعت في فخ “التطبيق دون التمهيد”، فبالرغم من أن التوجه نحو رقمنة الإيرادات عبر نظام “أسيكودا” (ASYCUDA) العالمي هو خطوة صحيحة من الناحية النظرية لضبط المنافذ الحدودية، إلا أن التقصير الحكومي الفادح تجلى في غياب خطة ما بعد التطبيق، إن تطبيق نظام تقني معقد في بيئة تعاني من فساد إداري متجذر وغياب للأتمتة الشاملة، دون توفير بدائل أو تسهيلات للتجار والمستوردين، ودون تشاور معهم لمعرفة مشكلاتهم، أدى إلى قفزات غير مدروسة في الأسعار، أثارت موجات من المظاهرات والتحشيد الإعلامي ضد القرار، المشكلة هنا ليست في النظام الرقمي بحد ذاته، بل في العقلية الجبائية التي رأت في هذا النظام وسيلة سريعة لجمع الأموال من المستهلكين، بدلاً من أن يكون جزءاً من رؤية اقتصادية شاملة تحمي السوق المحلي وتوفر الحماية للطبقات الهشة.
‏إن التحليل المعمق لمسار الموارد غير النفطية يكشف عن فجوة هائلة؛ فبينما يُقدر حجم الاستيرادات السنوية بعشرات المليارات من الدولارات، لا تزال الإيرادات الجمركية والضريبية الفعلية التي تدخل خزينة الدولة لا تتناسب مع هذا الحجم، بسبب التهريب والتهرب الضريبي والوساطات السياسية، ويشير تقرير لمنظمة الشفافية الدولية إلى أن العراق يفقد مليارات الدولارات سنوياً في المنافذ الحدودية، وهي أموال كان يمكن أن تُغني الدولة عن المساس بلقمة عيش المواطن لو تم ضبطها بجدية؛ إن الحكومات، بدلاً من أن تضرب بيد من حديد على رؤوس حيتان الفساد في المنافذ، فضلت الطريق الأقصر عبر فرض نظام يؤدي في نهاية المطاف الى رسوم إضافية يتحملها المواطن البسيط عند شرائه السلع الأساسية.
‏وهنا تبرز الحاجة الملحة لتغيير العقيدة الاقتصادية للدولة؛ فتعظيم الموارد لا يبدأ من الجباية، بل من الاستثمار في الإنتاج، إن على الحكومة أن تدرك أن الاستثمار الحقيقي ليس في بيع الأراضي أو منح رخص الاستيراد، بل في جذب الشركات العالمية الرصينة وتسهيل دخولها للسوق الصناعي العراقي، إن بناء المصانع والمعامل وتقديم التسهيلات الائتمانية والضريبية لهذه الشركات هو الذي سيخلق قاعدة ضريبية مستدامة على المدى الطويل، ويوفر فرص عمل لآلاف الخريجين، ويقلل الضغط على الطلب على العملة الصعبة لاستيراد السلع الاستهلاكية، إن الاكتفاء بكون الدولة بيت توظيف كبير يوزع الرواتب النفطية هو انتحار اقتصادي بطيء.
‏الطريق الصحيح لتعظيم الإيرادات يتطلب شجاعة سياسية في تنفيذ الثورة الإدارية؛ أولاً، يجب إكمال نظام “أسيكودا” وربطه بشبكة مصرفية رقمية شاملة تمنع التلاعب البشري تماماً، مع ضرورة وجود مصدات اقتصادية تحمي الأسعار من القفزات المفاجئة خلال فترة الانتقال. ثانياً، يجب تفعيل القطاع الخاص عبر شراكات حقيقية تخرج الدولة من دور الإدارة المباشرة للمصانع المعطلة التي باتت عبئاً على الموازنة. ثالثاً، لا بد من إصلاح النظام الضريبي ليكون تصاعدياً يستهدف الأرباح الكبرى والشركات العملاقة، وليس الاستهلاك اليومي للفرد.
‏إن إستمرار الرهان على جيب المواطن لتمويل فشل التخطيط الحكومي هو سياسة قصيرة النظر ستؤدي حتماً إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي، فالمواطن العراقي الذي تحمل تبعات الحروب والحصار وتغيير أسعار الصرف، لم يعد قادراً على تحمل المزيد من اجتهادات مالية تفتقر للبعد الإنساني، على الحكومة الحالية، والحكومات التي ستليها، أن تفهم أن الاقتصاد القوي يُبنى في المعامل والحقول ومراكز التكنولوجيا، لا في دهاليز الجباية والمكوس، إن العراق يمتلك كافة المقومات ليكون قوة اقتصادية إقليمية، وما ينقصه فقط هو الإرادة التنموية التي تتجاوز حدود البرميل، وتنظر إلى الإنسان بوصفه غاية للتنمية وليس وسيلة لتمويل العجز، إذا لم يحدث هذا التحول الآن، فإننا سنظل ندور في حلقة مفرغة، ننتظر فيها رحمة أسعار النفط، بينما تآكل الأزمات ما تبقى من مدخرات وصبر العراقيين.

إرسال التعليق