مقامرة كرة القدم

“في الأَزمنة التي تتشابه فِيها العروش مع الكؤوس ، وتتحول السِيوف إلى أَقدامٍ تارةً يمنى و أُخرى يسرى ، و يُمسي الدم وقودًا للمَجد لا للحرب ، وُلِدت أَسطورة لا تسكن الخرائط ، بل الذاكرة.
هناك حِيث الشمال بارد حدَّ القسوة ، وحيث مدريد بيضاء حدَّ العَمى ، أَجتمع سردان مُختلِفان ليقولا الحكاية ذاتها.
من يحكم التأَريخ ومن يجرؤ على تِكرار نفسه ثلاث مرَّات دون أَن يسقط..؟
فِي “Game of Thrones” لم يَكن العرش الحديدي قِطعة معدن ، أَنما أَمتحانًا للأَرواح.
فِي رِيال مدريد ، لم تكن الكأَس ذات الأُذنين مُجرد فضة ، هيَ لعنة و أَمتيازًا ، إِمّا أَن تكون جديرًا بها ، أَو تُطحن تحت ثِقلها.
كما تنازعت البيوت الكُبرى على وِيستروس ، تنازعت أَوروبا على إِيقاف مدريد.
كُل بيتٍ يَملك حُجة ، كُل ملكٍ يَملك نبوءة ، لكن النبوءة الوحيدة التي تحققت كانت تِلك التي لا تُقال ، بعض السُلالات لا تَموت ، بل تَعود أَقسى.
الثُلاثية ، ليست رقمًا ، هيَ إِعلان سيادة.
ثلاثة أَلقاب مُتتالية ، كما ثلاثة فصول دامية مِن مَلحمة لا تَرحم.
الفصل الأَول ، الشك.
كما الموسم الأَول مِن العروش ، حيث لا أَحد يُصدق أَن اللعبة بدأَت فِعلًا.
مَدريد يَفوز ، لكنهم يقولون ، صِدفة ، جِيل عابر ، لحظة لن تَتكرر.
الفصل الثاني ، الرعب.
حِين بدأَت الوجوه تَتغير ، وحِين أَدرك الجَميع أَن الأَمر لم يَعد صِدفة.
كما فِي المواسم الوسطى مِن المُسلسل ، حِين سَقطت الرؤوس ، وتكسَّرت التحالفات ،
وحِين فَهم العالم أَن الشرّ لِيس فردًا ، بل مَنظومة ، مَدريد هنا لم يَكن فريقًا ، بل فِكرة ، كما كان الشِتاء قادم ، فكرة لا طقسًا.
أَما الفصل الثالث ، هوَ الخلود أَو اللعنة الأَخيرة.
فِي الموسم الأَخير مِن العروش ، لم يَنتصر الجَميع ، بل نجا مَن تحمّل النهاية.
وكذلك فِي اللقب الثالث ، لم يَلعب مَدريد ليُمتع ، بل ليُنهي.
ليقول ، هذهِ ليست بطولة ، هذهِ حِقبة.
القادة في الملحمتين مُتشابهون حدَّ الإِرباك.
وجوه صامتة ، قرارات بَاردة ، عيون تعرف أَن الرحمة تَرف لا يَليق بالعرش.
فِي ويستروس ، مَن أَحبّ كثيرًا مَات مُبكرًا.
وفِي دوري الأَبطال ، مَن تردّد لحظة واحدة خرج مكسورًا.
حتى الخِيانة كانت حاضِرة.
خِيانة التَوقعات ، خِيانة المنطق ، خيانة كُل مَن قال “مستحيل”
كما خانت النار أَصحابها ، وخان السحر ساحراته ، خان مَدريد قوانين اللعبة ، وأَنتصر حَيث لا يَجب أَن يَنتصر.
اللافت أَن كِلا العالميِّن لم يَكونا عادلين.
لم يَنتصر الأَطيب ، بل الأَصلب ، لم يَنجو الأَذكى ، أَنما الأَقدر على تحمّل الدم والضغط والليل الطويل.
وفِي النِهاية ، لَم يُصفّق الجميع ، كما كُرِهت نِهاية “Game of Thrones” لأَنها لم تُرضِ الحلم ، كُرِهت ثُلاثية مَدريد لأَنها قَتلت الأَمل عِند الآخرين.
لكِن التأَريخ لا يُكتب لإِرضاء ، بل لتثبيت الوقائع.
وهكذا بين عباءةٍ من فروٍ ثقيل في شمالٍ موحِش ، وقميصٍ أَبيض يَلمع تحت أَضواء كارديف وكييف ومَدريد.
نُسِجت الحكاية ذاتها مَن يَربح العرش لن يَكون محبوبًا ، بل يَكون خالدًا

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك