(14) عام من تاريخ العراق المعاصر في كتاب
يبقى تاريخ العراق خلال ثمانون سنة من القرن الماضي من اهم محطات التاريخ العراقي المعاصر، لما لها من تأثير مهم في مسيرة بلدنا لحد الان ، ودون قراءة دقيقة لما حصل هناك ، لا يمكن فهم ما يحصل الان ابدا.
ربما من حسن الصدف ان اطالع خلال شهر شباط من هذا العام ٢٠٢٦ ، كتاب مفكرنا الكبير عبدالحسين شعبان الذي اصدره عام ٢٠١٩ عن قائد الحزب الشيوعي العراقي المهم ، الشهيد سلام عادل بعنوانه المثير ” سلام عادل : الدال والمدلول ، وما يمكث وما يزول”.
ورغم ان مفكرنا ركّز فيه على مسيرة اليسار العراقي منذ ١٩٤٩ وحتى شهادة سلام عادل اثناء تعذيب قصر النهاية عام ١٩٦٣ ، غير انه كان دراسة تاريخية نقدية وموثقة لأحداث العراق السياسية في نهايات العهد الملكي وخلال فترة حكم قاسم وما اختتمت به من انهار دماء راح ضحيتها مئات الشخصيات الوطنية.
ورغم توصيف الكاتب في ص٦ بأن ” وإذا كان الحزب قد خسر في العام 1949 قيادة فهد، فإنه نكب بغياب قيادة سلام عادل في العام 1963 ، وكلاهما كانا مشروعي زعامة شيوعية”، بل ويمكن القول “زعامة وطنية عراقية”، لكن النظام الملكي ومن خلفه الاستعمار البريطاني حصد زعامة فهد وهي في طريقها للاكتمال والتفتح، مثلما اقتطعت الموجة الفاشية زعامة سلام عادل الشابة وهي في طريقها إلى النضج والاغتناء، وهما قيادتان من الوزن الثقيل سياسياً وعملياً وتنظيمياً، وهو الأمر الذي عاناه الحزب في السنوات التي تلت استشهادهما، خصوصاً وأن غالبية من تولى موقع القيادة والمسؤولية بعد سلام عادل، كان أقرب إلى الإدارات الحزبية والمسؤولين التنفيذيين باستثناءات محدودة كعامر عبد الله مثلاً، على الرغم من أن ذلك يثير ردود فعل الآخرين من أقرانه ومجايليه مع إقرارهم بمواهبه ومؤهلاته . القائد لا يصنع بقرار ولا يتكون بناءً لرغبة أو لإملاء فراغ أو استناداً القرار حزبي أو سياسي، وإنما تنجبه ظروف وأوضاع، بعضها موضوعي وآخر ذاتي، وهذا مهم جداً لجهة كارزميته وتجاربه ومعارفه والأدوار التي لعبها في حياته والخبرات التي اكتسبها وعلاقاته مع الآخرين وقدرته على التميز، سواء برأي مستقل أم من خلال موقعه، ناهيك عن قدرته على التراجع والتقدم حسبما يتطلبه الموقف الذي يجمع بين المبدئية وبين إمكانية تحقيق الأهداف بمرونة عالية، أي حسن اتخاذه القرار وتنفيذه، وتحمل نتائجه حتى لو كان خاطئاً، ومن متطلبات القيادة الحسم وعدم التردد”. الا انه اقرّ وفي اكثر من مقطع خلال كتابه بأنه ” وحين نكتب، فإننا نحاول قدر الإمكان تجنب ادعاء الأفضليات والانحيازات المسبقة والزعم بامتلاك الحقيقة لأن هدفنا هو الكشف عنها ورؤيتها خارج نطاق الأيديولوجيات والتصورات المسبقة، لذلك ليست مهمتنا غض النظر عن النواقص والعيوب أو التعامل بنوع من المجاملة والارتياح والرضا عن النفس، ولكن بالطبع دون نسيان البطولات والتضحيات الكبيرة ، لقد اختزلت بعض الكتابات “الحزبوية” قيمة الجانب القيادي في شخصية سلام عادل المتميزة وإنجازاته السياسية والتنظيمية وتعاملت معها بطريقة جامدة وخارج دائرة النقد، دون أن تمعن النظر في مدى الحيوية الفائقة التي كان يتمتع بها والمبادرات التي أقدم عليها بشجاعة وثقة، فضلاً عن كفاءاته ومواهبه التنظيمية الإبداعية، تلك التي جعلت منه قائداً حقيقياً وليس مجرد مسؤول أو موظف إداري أو مسلكي يقوم بمهمات إدارية وروتينية فهؤلاء كثيرون وبالطبع فإن القائد الحقيقي لا ينزّه عن الأخطاء أو النواقص وهي لا تنتقص منه أو تقلل من شأن ما أنجزه، بل على العكس تظهر حقيقة منجزه وعلى حد تعبير الجواهري الكبير في وصف الزعيم العربي جمال عبد الناصر :
أكبرتُ يومك أن يكون رثاء. الخالدون عهدتهم أحياء
لا يعصم المجد الرجال ، وإنما. كان العظيم المجد والأخطاء”
فرغم اعتباره سلام عادل موحد الحزب الشيوعي بعد تشتته وان تقرير الكونفرنس الثاني عام ١٩٥٦ من اهم وثائق ومواقف الحزب الشيوعي على مستوى القضايا الوطنية والعربية ، الا انه افاد صراحة في ص ٥٦ بأن ” العمل العلني فاجأ قيادة سلام عادل، التي اعتادت على العمل السري، ولم يكن لديها خبرة في شؤون الدولة والإدارة، ناهيك عن الأعداد الغفيرة التي انخرطت في صفوف الحزب، وأحدثت نوعاً من الإرباك لدى القيادة، التي تصرفت بطريقة غير موحدة، وببرنامج غير موحد أيضاً، بل يمكن القول دون برنامج واضح ومحدد، وتقاذفتها اتجاهات شتى”.
وخلال قيادته للحزب الشيوعي حصلت احداث الموصل وكركوك وما جرى خلالها من اعمال قمع وتنكيل ، إذ يذكر في ص٦٠ ” محكمة الدملماجة الشهيرة حين تردّد اسم عبد الرحمن القصاب”، عضو اللجنة المحلية في الموصل الذي قيل ١ أنه يتلقى التعليمات من مهدي حميد وبإشراف من حمزة سلمان الجبوري ( عضو اللجنة المركزية) الذي كان موفدا من المكتب السياسي لهذه المهمة والذي كان يحمل رسالة خطية من المكتب السياسي كتبها له جمال الحيدري بتوجيه من سلام عادل، مفادها إنزال الضربات بالخصم بأقسى ما يمكن، وقد عرضها في اجتماع اللجنة المركزية عندما أريد محاسبته على التشدد وأعمال العنف، وقد ألقي القبض عليه لاحقاً في زمن قاسم وأرسل إلى سجن نقرة السلمان، ثم استدعي بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 حيث قتل تحت التعذيب مثلما قتل مهدي حميد أيضاً بنفس الطريقة، انتقاماً وثاراً.
أما بخصوص محكمة الدملماجة التي تم تشكيلها بعد فشل حركة الشواف (آذار / مارس / 1959) فقد تم إعدام 17 شخصاً دون محاكمة، ووفقاً لقرار محكمة صورية سميت ثورية، وتم تنفيذ حكم الاعدام بهم على الفور، ناهيك عن أعمال سحل وعنف واعتقالات وتعذيب، ثم انقلب الأمر على الشيوعيين في الموصل وألحق بهم من الخسائر والاغتيالات الشيء الكثير، وقد يكون فاق ما لحق بالآخرين خلال حركة الشواف وتمرده ضد حكم قاسم، ويذكر عزيز الحاج أن جريدة الحزب “اتحاد الشعب” تباهت بالمحاكمات الاعتباطية وعمليات السحل وتعليق الجثث على أعمدة الكهرباء معتبرة ذلك نموذجاً ثوريا” وهو ما أثار حفيظة الحزب الوطني الديمقراطي بقيادة كامل الجادرجي ضد الحزب الشيوعي، فاضطر الأخير إلى تخفيض نبرته”.
حتى انه اعتبر في ص٥٧ من ضمن اسباب ما اصاب الحزب الشيوعي من خسائر انهت تفوقه الجماهيري خلال الخمسينات وبداية الستينات هو الخلل في اعضاء القيادة لأنه رأى بأن ” كان تشكيل قيادة الحزب ما بعد الثورة قد جاء من ثلاث روافد مهمة: الأول من السجون، حيث ضمت سجناء قضوا سنوات طويلة في السجن مثل زكي خيري وعزيز الحاج وعزيز محمد و آرا خاجادور وهادي هاشم الأعظمي وبهاء الدين نوري وصادق الفلاحي وآخرين، والثاني من المنفيين الذين عادوا إلى الوطن، مثل محمد حسين أبو العيس وعبد القادر اسماعيل وغيرهم، أما الثالث فمن المختفين عن الأنظار في أوكار حزبية، مثل سلام عادل وعامر عبدالله وناصر عبود وجمال الحيدري وآخرين، أي أن الجميع منقطع عن الحياة العامة، ولا علاقة له بتصريف شؤون الحكم أو الدولة، كما أن مستوى الثقافة كان متدنياً إلى حدود كبيرة، ناهيك عن نظرة ستالينية جامدة إلى الحياة والمجتمع والتقدم، كل ذلك أفرز تشدّداً وتطرفاً مثلما كان لدى القوى الأخرى، ولاسيما من القوميين والبعثيين، بل أن الجميع شعروا أن المعركة هي معركة كسر عظم، عليهم أن يتخلصوا من الآخر قبل أن يتخلص منهم، أي أراد كل فريق أن تتغذى بالفريق الآخر بدلاً من أن يتعشى الآخر به”.
معتبرا في ص ٥٠ بأن ” الحركة الوطنية بقضها وقضيضها لم تكن ناضجة في تلك الفترة، وعاشت مرحلة مراهقة سياسية، ولعل وعي الكثير من قياداتها كان متدنياً، فضلاً عن التمترس والرغبة في كسب الشارع والحصول على المواقع في الجيش والسلطة والمؤسسات النقابية والمنظمات الاجتماعية، في وضع أشبه بالغليان، أو حركة سيرك بكل الاتجاهات. وأعتقد هذه المرحلة تحتاج إلى إعادة قراءة ونقد لاستخلاص الدروس والعبر منها ، خصوصاً بعد ما وصلت بلادنا إلى ما هي عليه من انقسام وتشغيل وطائفية و فساد مالي وإداري وتعصب وتطرف وعنف وإرهاب”.
وهكذا يتناول شعبان في كتابه هذا تلك الاحداث والشخوص بدراسة وثائقية ورؤية نقدية بعيدة عن رثاء الحزبية الموالية او هجاء المخالفين ، بل بمنهج موضوعي متجرد عن الهوى والميل ، خاصة وانها صادرة من احد اعمدة اليسار العراقي وشاهد من شهود تلك الاحداث وثّق الكثير منها من خلال لقاء ابطالها ، لذا ارى ان هكذا كتاب وان كان عنوانه يومئ بأنه يتعلق بشخص معين ، الا انه مصدر تاريخي مهم عن تلك الفترة ، تتضمن اضاءة كثير من الجوانب المظلمة التي يسعى الكثيرين لبقائها مظلمة ، منطلقين من منهج ذكره شعبان في ص ٨١ ” للأسف لم يراجع تاريخنا بما فيه الكفاية، ولم تسلّط الأضواء على أخطائنا ونواقصنا، وغالباً ما زعمنا إن العدو سيستفيد منها، ولذلك حاولنا أن ندثرها بأكثر من غطاء لكي لا يطلع عليها المتربصون بنا في ظل صراع محموم، وهكذا كانت تتكرر وتتناسل تلك الأخطاء والنواقص، لأنه لم يتم كشفها ومساءلة المسؤولين، ولم يسهم النقد في كشف أخطاء الماضي، الا بحدود الصراعات الدائرة، بين هذا الطاقم القيادي أو ذاك، وتصفية حسابات بين الفرقاء، أما التاريخ فقد ظل صامداً ككتلة صماء، لا يمكن الاقتراب منها، وقد يكون بعضهم مسؤولاً عنها، والآخر لا يريد ذكر الحقيقة ويخشى الاقتراب منها، لأنها تتعلق بفترة سكوته وصمته لسنوات طويلة، اعتاد فيها على تلقي التعليمات وإعطاء الأذنين الصاغيتين دائماً”.
ونأمل ان يعاضد شعبان في مشروعه التاريخي التوثيقي النقدي غيره من الكتّاب المجدون ذوو العلمية والموضوعية ويوّثقوا لنا تاريخ العراق بكافة جوانبه وفق منهج موضوعي بعيد عن التمذهب والحزبية وسياسات بعض اصحاب رؤوس الاموال والاعلام.
وليد عبدالحسين : محام / الصويرة


إرسال التعليق