مؤتمر ميونيخ 2026 .. حضور القيادات الكوردية في معادلة القرار الدولي

لم يعد حضور القيادات الكوردية في مؤتمر ميونيخ للأمن، المنعقد بين 13 و15 شباط 2026، حدثًا عابرًا في سياق العلاقات العامة أو مجرد لفتة رمزية ضمن جدول دولي مزدحم. فهذا المؤتمر، الذي يجمع سنويًا عشرات رؤساء الدول والحكومات وأكثر من مئة وزير خارجية ودفاع ومسؤول أمني رفيع من مختلف القارات، ويُعد أحد أهم منصات صياغة التوجهات الاستراتيجية في العالم، لا يوجّه دعواته إلا إلى الفاعلين المعترف بأدوارهم في المعادلات الإقليمية والدولية.

من هنا، فإن مشاركة الجنرال مظلوم عبدي والسيدة إلهام أحمد، تمثل تطورًا نوعيًا في طبيعة العلاقة بين التحالف الدولي والإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا؛ فالدعم الذي بدأ عسكريًا في إطار الحرب على تنظيم داعش، وأُسس على قاعدة الضرورة الأمنية المشتركة، يبدو اليوم أنه يرتقي إلى مستوى سياسي ودبلوماسي أكثر رسوخًا، يخرج العلاقة من نطاق “الشراكة الميدانية” إلى فضاء الاعتراف السياسي المتدرج. وتزداد دلالة هذا التحول حين يتم تصعيد حضور الرئيس (نيجيرفان برزاني) في مؤتمر ميونيخ بوصفه أحد أبرز الوجوه الكوردستانية ذات الثقل الدولي، وصاحب قناة تواصل مستقرة مع العواصم المؤثرة. بدعوة قيادات من غربي كوردستان إلى جانب قيادة إقليم كوردستان الفيدرالي في محفل عالمي واحد لا يعكس مجرد مصادفة بروتوكولية، بل يُظهر أن ثمة قوة كوردستانية آخذة في التبلور على مستوى التمثيل والاعتراف، وأن القضية الكوردستانية بدأت تُقرأ دوليًا كحزمة مترابطة تتجاوز الحدود المصطنعة، لا كملفات معزولة قابلة للعزل والتهميش.

دعوة الجنرال مظلوم عبدي والسيدة إلهام أحمد إلى مؤتمر ميونيخ العالمي بصفة رسمية، ومشاركتهما في اجتماعات جانبية مع وزراء خارجية ورؤساء دول، بدءًا من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، لا يمكن فصلها عن هذا التحول. ميونيخ ليس منتدى تقنيًا للأمن فحسب، بل منصة تُعاد فيها صياغة أولويات النظام الدولي وتوازناته. والجلوس في هذا الفضاء يعني أن الملف لم يعد يُدار في الغرف العسكرية المغلقة وحدها، بل أصبح جزءًا من نقاشات السياسة العليا.

إن اجتماع مظلوم عبدي وإلهام أحمد إلى جانب وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لا يمكن قراءته كترتيب بروتوكولي عابر، بل كإشارة سياسية محسوبة بعناية. فصيغة الجلوس والتمثيل المتوازي في إطار دبلوماسي رسمي تعكس مستوى من الإقرار السياسي بدور القيادة الكوردية كطرف فاعل في المعادلة السورية. وهذه الصورة، في دلالتها، لا تعني فقط استمرار التواصل الأمريكي مع القوى الكوردية، بل توحي بانتقال العلاقة من نطاق التنسيق العسكري إلى فضاء الاعتراف السياسي الأوسع، بما يحمل رسالة غير مباشرة إلى أنقرة ودمشق مفادها أن واشنطن لا تتعامل مع الملف الكوردي كمسألة أمنية عابرة، بل كعنصر ثابت في ترتيبات المرحلة المقبلة، وأن سوريا ليست حكرًا على مكوّن واحد، بل وطنٌ لجميع أبنائها ومكوّناتها.

هذا التحول يكتسب أهميته من السياق الذي سبقه. فقسد خسرت مساحات واسعة من جغرافيتها، وتراجعت مواقعها العسكرية أمام تقدم القوات الحكومية السورية المدعومة تركيًا، كما انسحبت الولايات المتحدة من أغلبية قواعدها في سوريا. من منظور تقليدي، كان يمكن قراءة ذلك بوصفه بداية تراجع كامل للدعم الدولي. غير أن ما حدث في ميونيخ يشير إلى أن العلاقة لم تنتهِ، بل تغير مستواها. فالحماية لم تعد تُقاس بعدد القواعد العسكرية، بل بموقع القضية على طاولة القرار الدولي.

إن انتقال الاهتمام من الجغرافيا المباشرة إلى البعد الكوردستاني الأشمل يمثل بحد ذاته تحولًا استراتيجيًا. مظلوم عبدي وإلهام أحمد يمثلان غربي كوردستان في الإطار السوري، بينما حضور رئيس إقليم كوردستان الفيدرالي السيد نيجيرفان بارزاني يمثل جنوب كوردستان. هذا التوازي في الحضور يعكس أن القضية الكوردستانية لم تعد تُجزأ إداريًا كما كانت تُدار سابقًا ضمن حدود الدول التي تقاسمت كوردستان، بل بدأت تُطرح بوصفها مسألة إقليمية ذات أبعاد عابرة للحدود، تستحق الدراسة والإدارة على مستوى الدول الكبرى.

لقد كانت القوى المحتلة لكوردستان تسعى تاريخيًا إلى إبقاء المسألة الكوردية ضمن نطاق أمني داخلي، أو حصرها في مفاوضات محلية مغلقة. أما اليوم، فإن طرحها في محفل عالمي كميونيخ يعني أنها خرجت من حالة الحصار السياسي إلى فضاء النقاش الدولي. هذا لا يعني اعترافًا نهائيًا أو ضمانات صلبة، لكنه يعني أن الملف أصبح جزءًا من الحسابات الكبرى، لا مجرد تفصيل في صراع داخلي.

أما ما قد يكون قد جرى خلف الكواليس، فليس من الصعب استشراف بعض ملامحه. لقاء ماركو روبيو مع القيادة الكوردية ومع وزير الخارجية السوري الانتقالي في الإطار ذاته يوحي بأن واشنطن تسعى إلى تثبيت معادلة جديدة، دعم عملية سياسية سورية لا تتجاهل الشريك الكوردي، وربما اشتراط ضمانات تتعلق باللامركزية، وحماية المجتمعات المحلية، وإعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف. في مثل هذه اللقاءات، لا تُفرض شروط علنية بقدر ما تُرسم خطوط حمراء غير مكتوبة.

بالنسبة لأنقرة، الرسالة واضحة، الملف الكوردي في سوريا لم يُطوَ بانسحاب جزئي للقوات الأمريكية. وبالنسبة لدمشق، فإن أي ترتيب مستقبلي لن يكون ممكنًا دون أخذ التمثيل الكوردي في الاعتبار ضمن معادلة سياسية أوسع. أما بالنسبة للكورد أنفسهم، فإن الانتقال من خانة “الحليف الميداني” إلى خانة “الفاعل السياسي المعترف به ضمن محافل دولية” يمثل تطورًا في مستوى الصراع وأدواته.

غير أن هذا المسار يحمل احتمالات متعددة. فمن جهة، قد يشير إلى تثبيت دور كوردستاني إقليمي أكثر وضوحًا، وربما إلى تنسيق غير معلن بين ممثلي جزأي كوردستان حول مستقبل المشهد السوري والعراقي. ومن جهة أخرى، قد يكون جزءًا من إعادة هندسة إقليمية تسعى فيها القوى الكبرى إلى إدارة المسألة الكوردية ضمن سقف لا يصل إلى حد إعادة رسم الحدود، بل إلى تثبيت نماذج حكم ذاتي منضبط داخل الدول القائمة.

التحالف الدولي، الذي بدأ شراكته مع الإدارة الذاتية من بوابة محاربة داعش، يبدو أنه يدرك أن إنهاء البعد العسكري لا يعني إنهاء المسألة. فغياب الاستقرار السياسي يعيد إنتاج الفراغات الأمنية. ومن هنا، فإن رفع مستوى العلاقة إلى الإطار الدبلوماسي قد يكون محاولة لضمان استقرار طويل الأمد دون انخراط عسكري واسع.

في المحصلة، حضور ميونيخ لم يكن صورة فحسب، بل لحظة انتقال. الكورد، رغم خسارتهم جزءًا من الجغرافيا والصلاحيات، لم يغيبوا عن الطاولة الدولية. بل إن حضورهم في هذه اللحظة تحديدًا، بعد التراجعات الميدانية، يوحي بأن الملف لم يعد يُقاس بمنطق السيطرة العسكرية فقط، بل بموقعه في هندسة الترتيبات الإقليمية المقبلة. وبين الجغرافيا التي انكمشت والسياسة التي اتسعت، تتشكل مرحلة جديدة تُدار فيها القضية الكوردستانية ضمن فضاء دولي أوسع، حيث لا تُحسم المعادلات بالمدافع وحدها، بل بالمقاعد التي يُسمح لأصحابها بالجلوس حول الطاولة.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك