فلسفة اللباس: من سعة الفطرة إلى ضيق التمترس

الأستاذ حشاني زغيدي
يعتقد الكثيرون أن اللباس مجرد غلاف مادي، بينما هو في حقيقته “بريد الهوية” وأحد تجليات الاستخلاف في الأرض. لقد جعل الأصوليون اللباس من “التحسينات”، وهي الرتبة التي تُجمل حياة الإنسان وتتمم مكارم الأخلاق، إلا أن الجهل قد ينقل هذه التحسينات إلى مرتبة “الضروريات” التي يُوالى ويُعادى عليها، وهنا مكمن الخلل.
وقد قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26]. فجمعت الآية بين الوظيفة الفطرية (الستر) والقيمة الجمالية (الريش)، وجعلت الغاية العليا هي التقوى، لتذكرنا أن الثوب الحقيقي هو ثوب القلب.
أولاً: كيمياء اللباس وحكمته الفطرية: تنوع الأنماط ووحدة المقصد
اللباس في جوهره مزيج بين الستر (حاجة فطرية) والزينة (حاجة جمالية). الحكمة من تنوعه ليست مجرد ترف، بل هي آية من آيات الله في اختلاف الألسن والألوان.
فما الجلباب الواسع في الخليج إلا ابن البيئة الصحراوية التي تتطلب وقاية من الشمس والغبار.
وما البرنوس الأمازيغي في المغرب العربي إلا ابن الجبال والليالي الباردة.
والسروال الواسع في جنوب آسيا ابن حقول الأرز والمناخ الرطب.
أما البدلة والسترة فهما ابنا الحضارة الصناعية وعلاقات العمل المنظمة.
والقميص بأنواعه يجسد التوفيق بين الراحة والمظهر اللائق.
كل هذا موروث بشري يعكس تضاريس الأرض وثقافة الشعوب، لذا فإن محاولة “تنميط” اللباس البشري في قالب واحد – سواء أكان قالب السروال الضيق أو الجلباب القصير أو أي نمط أحادي – هو مصادمة للفطرة التي قامت على التعدد. ويشهد لهذا التنوع الفطري قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاختِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} [الروم: 22]. ووصف النبي ﷺ هذا التنوع في أصل الخلقة فقال: “إن الله جميل يحب الجمال” (رواه مسلم). فالجمال والتزين في الإطار الشرعي والثقافي من الدين.
ثانياً: انحرافات المقصد (بين الفضح والإغراء والتسييس)
حين يخرج اللباس عن مساره الفطري والمنطقي، يتحول من “ساتر” إلى “كاشف” أو “قناع”:
لباس الفضح: هو تمرد بائس على الحياء، حيث يصبح العري أو الضيق المفرط (السروال الملتصق أو القميص الشفاف) رسالة سياسية أو اجتماعية تفتقر إلى العمق، وتحول الجسد من قيمة إنسانية إلى مادة بصرية مجردة.
لباس الإغراء: هو “هندسة غريزية” تعتمد على لفت الانتباه القسري، مما يُفقد اللباس هيبته ويحوله من وسيلة تكريم إلى أداة تسليع. وقد حذر القرآن من التبرج الذي يخرج بالزينة عن مقصودها فقال: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33]. وهذا يشمل أي نمط – حديثًا كان أو تقليديًا – إذا حُرف ليصبح وسيلة إثارة صريحة.
لباس المعتقد (التسييس والغلو): هنا يكمن الخطر الأكبر. حين يتحول الجلباب أو البرنوس أو طريقة ارتداء القميص أو حتى لون البدلة إلى “لافتة” دينية متصلبة، أو علامة طائفية، فإنها تخرج من دائرة التعبد والعرف إلى دائرة التميز الطبقي أو الانعزال الاجتماعي، مما يولد جفوة بين المتدين ومجتمعه. والشرع قد نظم ما يتعلق بالعبادة (كالإحرام)، وترك للسعة في غيرها. فلم يفرض النبي ﷺ لباسًا موحدًا للرجال، وحين سئل عن أفضل اللباس قال: “الحلة الحبراء” (رواه أبو داود)، وهي من أنواع البرانس اليمنية. والصحابة تعددت أزياؤهم ولم يجعلوا من تفاصيل السترة معيارًا للتقوى يُفرقون به بين الناس.
ثالثاً: اللباس المحافظ: حصن الهوية لا سجنها
اللباس المحافظ، سواء تجلى في البدلة الكلاسيكية المهيبة، أو الجلابة البسيطة المحتشمة، أو البرنوس الأصيل، أو حتى السروال والقميص المرتب، هو “إعلان استقلال” عن صرعات الموضة التي تستعبد العقول. إنه توازن دقيق بين مواكبة العصر والحفاظ على الأصالة.
المحافظة هنا لا تعني الجمود على نمط واحد ورفض الآخر، بل تعني أن يظل الإنسان هو سيد الثوب، لا الثوب هو سيد الإنسان. وهذا المعنى هو روح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في اللباس. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إياك وزي أهل السرف، وزي أهل الكفر”. فالمحافظة هنا وعي بالهوية واختيار واعٍ، لا انغلاق على العالم أو احتقار للآخر.
رابعاً: رسائل الفصل (بين الغلو والتحلل)
1. إلى الغلاة (المتمترسين خلف المظهر):
إن جعلتم طول الجلباب أو سعة السروال أو لون البرنوس أو تقصير الكم أصلاً تُكفَّر أو تُفسَّق بخلافه، فقد ضيقتم ما وسعه الله. الدين جوهرٌ يفيض على المظهر، وليس مظهراً يحجب الجوهر. إن التقوى “ها هنا” – كما أشار المصطفى ﷺ إلى صدره – (رواه مسلم). واللباس الذي لا يورث صاحبه أدباً مع الخلق وتواضعاً مع الله هو مجرد “قشرة” لا ثمرة فيها. كفوا عن تصنيف الناس بمقاييس الأقمشة وقطع الخياطة، وانظروا إلى مقاييس الأخلاق. لقد قال ﷺ: “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم” (رواه مسلم).
2. إلى المتحررين (المتفلتين من الضوابط):
الحرية التي تنتهي عند حدود التبذل هي عبودية للهوى. إن جسد الإنسان أسمى من أن يكون لوحة إعلانات لموضات عالمية عابرة. إن الحشمة – في أي نمط تختاره: بدلة محتشمة، أو قميص لائق، أو جلباب متناسق – ليست سجناً، بل هي “هيبة” تفرض على الآخرين احترام عقلك قبل ملامحك. تذكروا أن الرقي البشري ارتبط تاريخياً بستر الجسد لا بتعريته. قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]. والحدود الشرعية في اللباس ليست قيدًا، بل هي إطار للكرامة والشخصية الواعية.
خاتمة حِكمية:
”اللباسُ السويُّ هو الذي إذا رآه العاقلُ قال: ما أجملَ هذا الإنسان!، لا: ما أغربَ هذا الثوب!. هو ما ستر العورة، وأظهر الهوية بصدق (سواء بلبس البرنوس أو البدلة)، ولم يكسر قلب الفقير بتعالٍ، ولم يرفع أنف المتكبر بتشدد. هو الذي يجعلك سيدًا لأناقتك، لا عبدًا لتفصيلتها.”
وهو الذي يجسِّد قول النبي ﷺ: “الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني” (رواه الترمذي وحسنه). فالكيس الحقيقي هو من جعل لباسه تاج وقاره وهويته، لا سجناً لأفكاره، ولا بوابة للتعالي على خلقه.



