رسالة الجندي الأخيرة
في خضم الضجيج المروع للحرب العالمية الأولى والثانية، وبينما كانت المدافع تمزق صمت القارة الأوروبية، كان هناك جيش آخر يتحرك في الظل. جيش من الأظرف والطرود البريدية. في تلك السنوات العجاف، كانت الرسالة هي الحبل السري الوحيد الذي يربط الجندي القابع في الخندق الموحل بعالمه القديم الدافئ. كان الجنود يكتبون بشغف المحموم، يسرقون لحظات الهدوء النادرة تحت ضوء الشموع الخافتة، لتسطير كلمات الحب، والوصايا الأخيرة، وأكاذيب بيضاء صغيرة تطمئن الأمهات بأن “الطعام وفير” وأن “الوضع آمن”، بينما الموت يحصد الرفاق في الجوار.
حملت تلك الرسائل آمالاً عريضة بالوصول، لكن الأقدار كانت ترسم مسارات أخرى. ملايين الرسائل غادرت أيادي أصحابها لتستقر في جوف حقائب البريد الميداني، ثم شُحنت على متن سفن عبرت الأطلسي أو القناة الإنجليزية. وهناك، في عتمة البحر، كانت الغواصات (U-boats) تتربص.
بضربة طوربيد واحدة، كانت السفينة تغرق، وتغرق معها ملايين الكلمات. مثل SS Gairsoppa في 1941 التي حملت 717 رسالة شخصية محفوظة في قاع الأطلسي لـ70 عاماً قبل اكتشافها. كذلك، RMS Lusitania في 1915 التي خسرت 147,000 رسالة.
استقرت تلك الحقائب في قاع المحيط لعقود، حافظةً داخلها أصوات رجال ظنوا أنهم يرسلون “قبلة” لزوجاتهم، فبقيت القبلة حبيسة الماء المالح، وعاشت الزوجات أعمارهن ينتظرن خبراً لم يصل أبداً، أو وصل متأخراً ببرقية رسمية باردة تعلن الفقد.
وحتى تلك التي نجت من الغرق، واجهت عدواً آخر على اليابسة: مقص الرقيب. كان النظام العسكري يخشى الحقيقة، ويخشى أن تتسرب تفاصيل المجازر أو انهيار المعنويات إلى الجبهة الداخلية. جلس مئات الضباط في غرف خلفية يقرؤون رسائل الجنود، يطمسون سطوراً كاملة بالحبر الأسود، أو يصادرون الرسالة برمتها إذا احتوت على “عاطفة مفرطة” أو يأس صريح. تكدست آلاف الرسائل في أرشيفات المخابرات والاستخبارات العسكرية، محكوم عليها بالسجن المؤبد، بينما كان كاتبها قد تحلل في حقل ما في “السوم” أو “ستالينغراد”، وتعيش عائلته في حيرة قاتلة حول مصيره ومشاعره الأخيرة.
الأكثر إيلاماً كانت تلك الرسائل التي لم تغادر الجيوب قط. فقبل الهجوم الكبير، جرت العادة أن يكتب الجندي رسالة وداع سريعة، يضعها في جيب سترته الداخلية جهة القلب، آملاً أن يجدها المسعفون إذا سقط جريحاً، أو يرسلها رفاقه إذا قضى نحبه.ولكن في فوضى القصف، كانت الأجساد تُدفن تحت الردم، أو تُترك في المنطقة الحرام التي لا يجرؤ أحد على دخولها. تحللت السترات، وبقيت الأوراق، أو عُثر عليها بعد سنوات طوال من قبل المزارعين أو المنقبين عن الآثار. وجدوا أوراقاً متيبسة، ملطخة بدماء جافة وصدأ، تحمل عبارات بسيطة وقاطعة مثل: “أنا خائف”، أو “قولوا لماري أنني أحببتها حتى النهاية”.
في العصر الحديث، ومع فتح الأرشيفات القديمة أو اكتشاف حطام السفن، بدأت بعض هذه الرسائل تصل أخيراً إلى وجهتها، ولكن بعد فوات الأوان. يستلمها الأحفاد أو الأبناء الشيوخ، ليقرؤوا كلمات كتبها جد شاب لم يروه قط. تتحول الرسالة من وسيلة تواصل إلى وثيقة تاريخية مقدسة، وجسر يمتد عبر الزمن ليسمعنا صوت إنسان كان يتنفس، ويحلم، ويكتب بقلم مرتعش، قبل أن يبتلعه صمت التاريخ الأبدي، تاركاً حبره شاهداً وحيداً على إنسانية حاولت الحرب طمسها.



إرسال التعليق