قراءة في خلفيات التصعيد الأمريكي الأخير
قراءة في خلفيات التصعيد الأمريكي الأخير
–
- رشيد مصباح (فوزي)
قد يكون النفط أحد الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى التفكير في غزو فنزويلا، حتى وإن كان ذلك الغزو خاطفا ولم تكتمل أركانه، غير أنّ اختزال الدوافع في البترول وحده يُغفل جملة من العوامل الأخرى التي لا تقل أهمية، في مقدّمتها هاجس تغيير الأنظمة التي تُصنَّف في خانة ”الخطر على الأمن والمصالح الأمريكية“.
فالولايات المتحدة تعيش منذ فترة وضعا داخليّا مضطربا، تفاقم بفعل سياسات اقتصادية قائمة على فرض الرسوم الجمركية والعقوبات، ما أدّى إلى ارتفاع أسعار مواد واسعة الاستهلاك، وندرة بعضها في السوق. هذا الواقع ألقى بثقله على الطبقتين الوسطى والفقيرة، وخلق حالة تذمّر غير مسبوقة، انعكست على شعبية الرئيس دونالد ترامب، ودفعته في أكثر من مناسبة إلى التراجع عن بعض مظاهر ”العنجهية السياسية“ التي ميّزت خطاباته.
إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل تأثير فضيحة إبستين، التي حاول الإعلام الأمريكي التقليل من خطورتها، رغم ارتداداتها العميقة داخل المجتمع الأمريكي، بما في ذلك داخل القاعدة الشعبية التي يستند إليها ترامب، وعلى رأسها حركة ”ماغا“. هذه القضية أفقدته دعم شريحة معتبرة من الجمهوريين الذين آثروا النأي بأنفسهم عن مستنقع الفضائح، بدل الاصطفاف خلفه.
زاد من حدّة الأزمة التوتر داخل البيت الأبيض نفسه، حيث صدرت تصريحات وانتقادات من شخصيات قريبة من دوائر القرار، كشفت عن حالة ارتباك وانقسام داخلي، وهو ما عمّق أزمة القيادة في تلك المرحلة.
في مثل هذه السيّاقات، تلجأ القوى الكبرى إلى ما يُعرف بسياسة ”تصدير الأزمات“: أي تحويل الأنظار عن الاختلالات الداخلية عبر خلق توترات خارجية، أو افتعال نزاعات، بهدف توحيد الرأي العام خلف القيادة السياسية، وتبرير الفشل الداخلي. وهي سياسة كلاسيكية، قد تنجح مرحليا في امتصاص الغضب، لكنها تبقى ”هروبا إلى الأمام“ لا حلّـا حقيقيّا، وغالبا ما تؤدّي إلى تعقيد الأزمات بدل معالجتها.
لقد ساهم هذا النهج في تآكل صورة الولايات المتحدة كقوة ”حارسة للنظام الدولي“، وأضرّ بسمعتها السيّاسيّة والأخلاقيّة، وهو ما قد تنعكس آثاره سلبا على اقتصادها ومكانتها العالمية. فالغزو، ولا ”السّطو“ على مقدّرات الشعوب، لم يكن يوما طريقا لاستعادة الثقة، لا في الداخل ولا في الخارج.



إرسال التعليق