حين يصبح النقد جريمة

حين يصبح النقد جريمة

—-

  • رشيد مصباح (فوزي)
    *

أخبث الناس، لا أكثرهم شرّا، هو ذاك الذي يرى العيوب واضحة، ثم يختار الصمت. لا لأنّه حكيم، بل لأنّ التجربة علّمته أن النصيحة قد يكون ثمنها باهظا. ولعلّ له في ذلك بعض العذر؛ فليس كل الناس يقبلون النّور حين يُسلَّط على عتمتهم، بل كثيرون يفضّلون الظلام ما دام مألوفا.

في مجتمعاتنا العربية، لا نعاني من غياب النقد فحسب، بل من غياب ”ثقافة النقد“. نحن لا نتحدّث عن التشهير، ولا عن التجريح، بل عن النقد الإيجابي البنّاء الذي يُراد به الإصلاح لا الإدانة. غير أنّ الذهنيّة السائدة حوّلت كل ملاحظة إلى إهانة، وكل نصيحة إلى عدوان، فصارت الحساسيّة المفرطة سيّدة الموقف، وصرنا نرفض حتى ما قد ينقذنا من أخطائنا.

ولا خير حقّا فيمن لا ينصح، كما لا خير فيمن لا يقبل النصيحة. فالدِّين نفسه، كما جاء في الحديث الشريف، قائم على النصيحة. لكنّنا جعلناها عبئا، بل تهديدا، وكأنّ الاعتراف بالخطأ انتقاص من الكرامة.

في المجتمعات الغربية، يُعدّ النقد جزءا من الحياة اليومية. وحقّا مكفولـًا، وأداة لمواجهة الفساد والتطرّف. لا قداسة هناك للأشخاص، بل للأفكار والقوانين. يُنتقد المسؤول كما يُنتقد المواطن، ويُساءل المثقّف كما يُساءل رجل الدِّين، لأن الغاية ليست التشهير، بل تصويب المسار.

أمّا عندنا، فرفض النقد علامة على تعصّب فكري وتزمّت مرضي، ونجده بوضوح في المجتمعات المنغلقة، وفي ظلّ الأنظمة السّلطوية التي لا ترى في الرأي المخالف سوى تهديد. والتي تتحوّل المؤسّسات فيها إلى محظورات، والمسؤولون إلى خطوط حمراء، ويُدان صاحب الرّأي المخالف قبل أن تتم مساءلته.

وقد تسلّلت هذه الذهنيّة إلى تفاصيل حياتنا اليومية، حتى صار المواطن عاجزا عن انتقاد أصغر مسؤول، أو مساءلة إمام مسجد، أو تنبيه متطوّع يعتلي المنبر للوعظ، بينما هو نفسه في أمسّ الحاجة إلى من يلفت انتباهه إلى زلّاته وأخطائه.

ويبقى السؤال معلّقا:
كيف يمكن لمجتمع أن يرتقي، وهو يجرّم النقد ويقدّس الخطأ؟
وكيف نأمل في وعيٍ جماعي، في ظلّ استبداد يُمارَس باسم المنصب تارة، وباسم الدِّين تارة أخرى، والدِّين منه براء؟

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك