دعوة تربوية لإعادة اكتشاف الزمن الطبيعي للطفولة

حشاني زغيدي

دعوة تربوية لإعادة اكتشاف الزمن الطبيعي للطفولة

أكتبُ من منطلق شاهدٍ رأى البراءة وهي تُولَد كل يوم في عيونٍ صغيرة، وكيف تُختنق رويدًا رويدًا تحت وطأة أيدٍ لا تعرف قداستها. هذه ليست تأملات منفصلة عنّي؛ بل هي صدى لساعاتٍ طويلة قضيتها في مرافقة البراءة: عجينة طفلٍ يكتشف العالم بكل براءته، قبل أن نأتي نحن لنعلّمه كيف “يجب” أن يراه.

نحن نتعامل مع الطفولة كأنها مشروع قيد الإنشاء، يمكن تسريعه أو تعديل مواصفاته ليناسب سوق الكبار. ننسى أنها حياة كاملة قائمة بذاتها. نحرق المراحل العمرية ظنًا منا أننا نؤسس لتفوُّق، ونحن في الحقيقة نؤسس لفراغ. نسلخ الطفل عن زمنه الطبيعي، نسرق منه متعة الترويح البريء، ثم نتفاجأ بنبتة ذابلة لم تشرب من ماء طفولتها ما يكفي.

وانظروا إلى الطفل الذي حوّلناه إلى “مشهد” على الشاشة. لقد سرقنا صورته لتغذية جوعنا الرقمي للظهور، ودمرنا في المقابل جدارًا حميميًا كان يحميه. علّمناه أن قيمته تُقاس بعدد الغرباء الذين يلمسون زر “إعجاب” تحت ابتسامته المصنوعة. أليس هذا اغتيالًا للبراءة؟ أليس هذا قتلًا لـ “علاقات الصدق التي لا تصنعها المعاملات التجارية”؟

والخوف كل الخوف من هذا النضج المُزيَّف. من أن يصبح الطفل كتلك الزهرة البلاستيكية: جميلة الشكل، خالية من العطر والحياة. لأن ميول الطفل بسيطة وصافية؛ هي ميل إلى اللعب، والاكتشاف، والحب غير المشروط. وعندما نستبدل ذلك بميول الكبار المعقدة (الطموح، التنافس، الظهور)، فإننا لا نكسب راشدًا مبكرًا، بل نخسر طفلاً إلى الأبد.

لذلك، أرفض أن تكون هذه مجرد كلمات. إنها شهادة أمام الضمير. شهادة من رجل أمضى عمره في الفصل الدراسي والساحة المدرسية، يرى كيف تتحول البراءة من حالة مقدسة إلى سلعة رخيصة. ونحن بحاجة إلى وقفة جادة. وقفة نعيد فيها اكتشاف الحقيقة البسيطة: أن الطفل يأتي إلى الدنيا وهو يحمل كل ما يحتاجه من سعادة وفضول وحب. وكل ما علينا – نحن الكبار – هو ألا نعيق هذا التدفق الطبيعي.

فهذه السعادة “المودعة” في قلوب الأطفال هي وديعة إلهية في أعناقنا. وإن هدرناها، لن نكون قد أسأنا إلى جيل فحسب، بل إلى مستقبل الإنسانية كلها. فالقلب الذي لا يعرف الطفولة، لا يعرف الرحمة. والمجتمع الذي يحتقر براءة أبنائه، يحرق بذور خيره بيده.

فلنعدْ إلى البساطة. ولنمنح الطفل الحق في أن يكون طفلاً. فهذه ليست رغبة، بل هي مسؤولية وجودية. إنها الدفاع عن آخر حدود النقاء في عالمٍ يزداد تعقيدًا وقسوة يومًا بعد يوم.

فهذا النبض ليس دعوة قلق، إنما هو تنبيه للكبار حتى يوفروا الملاذ الآمن لتربية سليمة متوازنة، تراعي مراحل نموه وقدرات استعداداته.

الأستاذ حشاني زغيدي

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك