شكرًا فرنسا… لأننا كنّا نعيش في الظلام!
*
*
شكرًا فرنسا… لأننا كنّا نعيش في الظلام!
رشيد مصباح (فوزي)
*
لا يزال بعض الجزائريين، حفظهم الله من عناء التفكير، مقتنعين اقتناعًا راسخًا بأن فرنسا ”لم تغزُ الجزائر“، بل جاءت في بعثة إنسانية عاجلة، أشبه بجمعية خيرية كبرى، هدفها الأسمى إنقاذ “الاندِيجان” من كارثة كونية اسمها: الإسلام، واللغة العربية، وبعض ”الحشمة“ من الحياء.
فقبل 1830، كما يخبروننا، لم يكن هنا شيء يُذكر: لا تاريخ، لا دولة، لا حضارة، لا علم…
كان الناس يتنفسون جهلا، ويأكلون تخلّفا، ويشربون قهرا عثمانيا صباح مساء.
ثم نزلت فرنسا.. فنزل معها النّور.
نزلت العلمانية، ومعها المدارس المختلطة، والخمّارات، وقصّات الشعر القصير، والميني جيب، واللّغة التي لولاها لما عرفنا “موليار” ولا “فولتير”، ولا كيف نشتم بعضنا البعض بلغة راقية.
أما الاستعمار؟
فمجرّد كلمة اخترعها المتذمّرون الذين لا يعرفون قيمة الحضارة المعاصرة.
لم تكن فرنسا صليبية علمانية تنصيرية، ولم تكن عنصرية.
ولأنّها كانت ”تحبّنا خالصا لوجه الله تعالى“، فقرّرت: أن تصادر الأرض وتقتل الملايين وتمحو اللغة الأصيلة من ألسنتنا وتنزع الدين السمح من صدورنا.
وحين غادرت، غادرت باكية، متحسّرة.. لأنها كانت تتمنّى البقاء قليلا لتُعلّمنا كيف نكون ”أحرارا“.. ولكن تحت الوصاية.
أما العرب، فقصّتهم معروفة: أولئك الحفاة العراة، الجياع الهمج.. لقد خرجوا من الصحراء لا لنشر دين، بل للنّهب وانتهاك الحرمات. وأمّا الأتراك، حثالة اللّصوص، غزوهم لنا كان بالسّيف والإكراه. وأما الخلافة، فأسطورة سيئة الإخراج.
لكن، بالمقابل، المرأة تحرّرت أخيرًا.. تحرّرت حين نافست الرجل في المقاهي والملاهي، وحين صار معيار التقدّم بالنسبة لها هو الاختلاط مع الرجال، والعري ولبس القصير.
وأمّا المقاومة؟
فهي عُقدة نفسية.
وأمّا الثورة؟
فسوء تفاهم تاريخي.
وأما الشهداء؟
فإرهابيين غُرّر بهم.
خروج فرنسا من الجزائر، لم يكن هروبا ولا هزيمة. فقد خرجت مكرهة، دامعة العين، لأنها كانت ”تعشق الجزائر وأهلها خالصًا لوجه الله“، لا لمصالح، ولا لأرض، ولا لثروات.
ولهذا لم تبخل، طوال بقائها، بزرع ”ألغام“ التنوير: لتغدو العلمانية عقيدة، والتنصير خيارًا ثقافيًّا، والاختلاط بين الجنسين فضيلة، و”الكريسماس“ هويّة لاهواية.
ولولا فرنسا، لما قصّت المرأة الجزائرية شعرها، ولا ارتدت التنورة القصيرة والبنطلون، ولا نافست الرجال في المقاهي والملاهي، ولا تحرّرت أخيرًا من عبء الدِّين والقيود الاجتماعية.
باختصار،
لولا هؤلاء النصارى العلمانيين، لما حصل لنا شرف التعرّف على عادات حرمنا منها العرب والأتراك الغزاة، أولئك الذين دفعتهم المجاعة إلى غزونا وانتهاك أعراضنا.



إرسال التعليق