المتسلّلون الصامتون… ظاهرة فايسبوكية تثير الشك والابتسام.*

*
م رشيد/فوزي
*

في السنوات الأخيرة، ومع تطوّر منصّات التواصل الاجتماعي، ظهر نوع جديد من ”الأصدقاء“؛ فئة غريبة الأطوار، تقول لك في الواقع إنها الأقرب إليك، وإنها تتابعك وتقدّرك وتحترم قلمك… لكنّ صفحتك على الفايسبوك تكشف لك الحقيقة بوضوح أكبر مما تفعل المرايا.
موجودون في خانة ”الأصدقاء“، لكنّ حضورهم لا يزيد عن ظلٍّ عابر: لا إعجاب، لا تعليق، لا كلمة، لا أثر… ومع ذلك يعرفون كل ما تكتب، ويطالعون منشوراتك خلسة.
هؤلاء ”المتسلّلون الصامتون“ ليسوا مجرّد أشخاص منشغلين أو غافلين، بل هي حالة نفسية اجتماعية تستحقّ الوقوف عندها.
من هم هؤلاء ”المتسلّلون الصامتون؟“:
هم أولئك الذين يظهرون في قوائم الأصدقاء، لكنهم غائبون في أرض التفاعل… يشاهدونك دون أن تلمحهم، ويتابعونك دون أن يعترفوا بذلك.
يقرأون منشوراتك، ويغادرون من دون ترك إشارة تدلّ على مرورهم.
هؤلاء لا يمكن وصفهم بالأصدقاء، ولا بالمتابعين الحقيقيين. هم أقرب إلى: ”مترصّدين“ يعيشون على حافة الصفحة.
”فضوليين“ يخشون أن تظهر أسماؤهم على منشوراتك.
”مرتعبين“ من الاعتراف بأنّ لديهم رأيا.
وقد تكون لديهم ”غيرة مكتومة“، ولا يسمح كبرياؤهم بأن يدعموا أحدا غير أنفسهم.
يخجلون من التفاعل؟ أم يخشونه؟
قد يظن القارئ لأول وهلة أن الأمر مجرّد انشغال أو قلّة انتباه… لكنّ التجربة تقول غير ذلك، فهم يتفاعلون وبسخاء كبير في صفحات أخرى، مع منشورات تافهة ومكرّرة، وصور سخيفة بلا معنى.
أما عندما يتعلّق الأمر بمن يعرفونه حق المعرفة، بشخص قريب منهم، بقلم يحترمونه سرًّا… تراهم يلوذون بالصّمت.
والسبب؟
إمّا غيرة، أو نفاق اجتماعي، أو خوف من أن يظهر أنهم تابعوا منشورا ناضجا لا ينسجم مع صورتهم السّطحية.
لستُ بحاجة لإعجابهم… ولستُ نادما على خسارتهم.
قد يتوهّم بعض منهم أنّني أهتم لأمرهم، أو أشغل نفسي بالبحث عن مديحهم. لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير: أنا أكتب لأن الكتابة هوايتي، عالمي، مساحتي الحرّة.
لا أكتب لترضيتهم، ولا لأتسوّل انتباههم و لايكاتهم.
ولا لأنشر كي يقول لي أحدهم: ”أحسنت“. بل لأننّي أعرف قيمة ما أكتب، وأعرف أن من يقدّر الكلمة حقّا لا يخشى من أن يترك بصمته.
وهذا المقال ليس نداء ولا عتابا، بل رسالة واضحة أوجّهها إليهم: ارفعوا الحرج عن أنفسكم… فقد رفعتُه عنكم.
ابقوا متسلّلين إن شئتم، فذلك شأنكم.
لكن لا تتوقّعوا حضورا منّي لمن لا وجود له عندي، ولا تنتظروا تقديرا لمن لا يحسن حتى القيام بواجب ”الانتماء“. فالكاتب الذي يحترم نفسه لا يخشى أن يخسر صفحة… بل يخشى أن يحتفظ بأشباح.
ومن أراد أن يكون صديقا… فليكن حاضرا.
ومن أراد أن يبقى ظلّا… فليبقَ حيث هو، فالصفحة تسع الجميع.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك