بين الرياض وتل أبيب: طريق محفوف بالتوترات
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
منذ سنوات، يدور حديث طويل عن “اليوم الذي تلتقي فيه السعودية وإسرائيل عند نقطة المصالح الكبرى”. لكنّ ما تكشفه الوقائع اليومية هو أنّ الطريق بين الرياض وتل أبيب ليس مجرد ممر سياسي، بل ممر أعصاب يختلط فيه الضغط الأميركي، وهواجس الأمن، وطبقات متراكمة من الأزمات الداخلية لدى الجانبين.
مقال المؤرخ والكاتب الروسي فاليري بورت – بعنوان: «هل تتوصل تل أبيب والرياض إلى توافق؟» في 22 نوفمبر 2025، على موقع “مؤسسة الثقافة الإستراتيجية” – يلتقط هذا المشهد بدقّة، مقدّمًا صورة لمنطقة تتحرك في اإتجاه التطبيع… لكنّها تخشى الوصول إليه بالقدر ذاته الذي تخشاه من الفشل.
أولًا: إسرائيل المنهَكة تبحث عن “إستراحة إستراتيجية”
يبدأ بورت بوصف الوضع الإسرائيلي بلغة لا لبس فيها: «إسرائيل مُنهكة بالحروب، وهي في حاجة ماسّة إلى السلام أو إلى هدنة طويلة»
هذا التعب غير المعلن رسميًا أصبح واضحًا في:
•التراجع في جبهات غزة ولبنان
•الضغط الأميركي غير المسبوق
•الإنقسام الداخلي الحاد
•وتنامي قوة الفاعلين غير الحكوميين في المنطقة
وفي تقدير الكاتب، فإنّ هذا الإرهاق يجعل إسرائيل ترى في السعودية فرصة ذهبية لتحسين مكانتها الإقليمية ووقف تآكل صورتها الدولية.
لكنّ المشكلة أنّ الطريق إلى الرياض ليس ممهدًا.
ثانيًا: اللحظة الأميركية الجديدة… وتراجع “الإستثناء الإسرائيلي”
واحدة من أبرز نقاط التحليل هي الطريقة التي “أزعجت” تل أبيب خلال زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرياض، حين أغدق المديح على ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
يكتب بورت: «في إسرائيل كانوا بالتأكيد غير راضين وهم يشاهدون الرئيس الأميركي يوزّع المديح على ولي العهد السعودي».
ثم جاءت القمة الأميركية–السعودية التي إنتهت بـ: تعهّد سعودي بإستثمارات تصل تريليون دولار في الإقتصاد الأميركي، وفتح باب التعاون في الطاقة النووية، وبدء مباحثات حول إنضمام الرياض إلى “إتفاقيات أبراهام”.
هذه التحولات جعلت كثيرين في تل أبيب يتساءلون: هل تفقد إسرائيل مكانة “الشريك الأول” للولايات المتحدة في الشرق الأوسط؟
وبورت يلمّح إلى أنّ الإجابة ليست واضحة… لكنها مقلقة.
ثالثًا: هاجس التفوق العسكري — “سلاح الجو لم يعد إمتيازًا إسرائيليًا خالصًا”
حين أعلنت واشنطن إستعدادها لبيع مقاتلات F-35 للسعودية، إرتفع منسوب القلق في إسرائيل. فهذه الطائرة تشكّل أساس “التفوق النوعي الإسرائيلي”.
يعالج الكاتب هذا القلق عبر إقتباس واضح: «بدأت الأحاديث عن أنّ إسرائيل ستفقد هيمنتها العسكرية في الشرق الأوسط»
لكن سرعان ما قدّمت واشنطن تطمينات: «النماذج التي ستباع للسعودية ستكون أقل تطورًا من تلك التي يستخدمها سلاح الجو الإسرائيلي»
هذا التطمين الأميركي كان موجّهًا لإحتواء الذعر الإسرائيلي، لكنّه لم يلغِ شعورًا أعمق: المعادلة القديمة لم تعد محصّنة كما كانت.
رابعًا: العقدة الكبرى — دولة فلسطينية لا تريدها إسرائيل ولا تستطيع الرياض تجاوزها
جوهر الخلاف الحقيقي ليس الطائرات، بل السياسة.
تلخيص موقف الرياض جاء في عبارة لا لبس فيها: «السعودية مستعدة للتعاون، لكنها تريد مسارًا واضحًا لحل قضية الدولتين»
وموقف نتنياهو جاء أكثر حدّة: «لن أسمح بإنشاء دولة بإسم فلسطين، حتى لو أدى ذلك إلى تهديد مسار التطبيع»
بورت يرى أنّ إسرائيل اليوم أبعد ما تكون عن تلبية الشرط السعودي لسببين:
- المشهد السياسي الإسرائيلي ينتقل تدريجيًا إلى اليمين المتطرّف
- العنف المتزايد من قبل “المستوطنين المتطرفين” في الضفة الغربية
في وصفه لواقع الضفة، ينقل الكاتب تحذيرًا لافتًا: «إذا لم نوقف المتمردين اليهود، فسنضطر لنقل قوات من الحدود الشمالية والجنوبية للسيطرة على الفوضى المتصاعدة»، يقول رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زمير.
هذا الإنفلات الداخلي يجعل التطبيع مع السعودية مهمة شبه مستحيلة في الأمد القريب.
خامسًا: الولايات المتحدة تغيّر قواعد اللعبة
واشنطن، وفق تحليل بورت، لم تعد تخفي إنزعاجها من حكومة نتنياهو.
من خلال تصرفاتها، ترسل رسالة واضحة: “لسنا ملزمين بحماية إسرائيل من نفسها إلى الأبد”.
ويكتب: «لذلك تُظهر واشنطن بشكل إستعراضي أن إسرائيل لم تعد المفضلة الوحيدة لها في الشرق الأوسط».
هذا الإستعراض لا يعني تخليًا، بل: محاولة إعادة ضبط، وضغطًا لإجبار إسرائيل على تقديم تنازلات، ووضع السعودية في موقع “الشريك المكافئ” في السياسات الإقليمية
سادسًا: الخطر الإيراني يتعاظم… ويدفع إسرائيل نحو الرياض
يذكّر الكاتب بأنّ “العدو المركزي لإسرائيل لا يزال إيران”، وأنّ الحرب الأخيرة (12 يومًا) لم تكن إلا بروفة لمعركة أكبر.
ويشير إلى ما نشرته نيويورك تايمز بأن: «الصراع الجديد بين إيران وإسرائيل أصبح حتميًا»، وأنّ «التحضير له يشمل نظام الليزر الدفاعي الجديد»
هنا يبرز السؤال: هل يصبح التقارب مع السعودية جزءًا من “الجبهة المضادة لإيران”؟
منطق الأمن الإسرائيلي يقول نعم.
لكن منطق السياسة السعودية يقول: فقط إذا تحققت شروط الدولة الفلسطينية.
وهو الشرط الذي تعجز إسرائيل عن توفيره.
سابعًا: ما الذي ستجنيه السعودية؟
يعدّد بورت المكاسب السعودية المحتملة: التكنولوجيا المتقدمة،
والأنظمة العسكرية الحديثة،
وتوسيع الإستثمارات، وتسريع تنفيذ “رؤية 2030”.
ويكتب: «المملكة تريد بناء دولة مثالية بمستوى معيشة لا مثيل له، وتنوع إقتصادي لا يعتمد على النفط».
من هنا، ترى الرياض أن التعاون مع إسرائيل مفيد لكنه ليس ضروريًا، وبالتالي: يمكن تأجيله،
ويمكن ربطه بشروط، ويمكن إستثماره كورقة تفاوضية أمام واشنطن.
خلاصة: هل يمكن أن تلتقي الرياض وتل أبيب؟
يختتم بورت مقاله بنبرة تشاؤمية: «لا يمكن الحديث عن إتصالات متبادلة إلا بالإعتماد على مستقبل يكون لصالح إسرائيل. لكن هل سيأتي هذا الزمن؟ سؤال كبير ومؤلم».
هذا الإستنتاج يختصر المعضلة: •إسرائيل تريد التطبيع، لكنها عاجزة سياسيًا عن دفع ثمنه.
•السعودية مستعدة للتعاون، لكنها لن تمنح إسرائيل “جائزة مجانية”.
•الولايات المتحدة تغيّر قواعد علاقتها بتل أبيب، لكنها لا تقدم بديلًا حاسمًا.
•المنطقة تموج بقوى صاعدة: حزب الله، حماس، إيران، وحتى التيارات المتطرفة داخل إسرائيل نفسها.
كل ذلك يجعل طريق التطبيع أقرب إلى جسر معلق فوق هاوية: يمكن السير فوقه… لكن السقوط منه ممكن في أي لحظة.



إرسال التعليق