جرائم الثورة .. من يحمي الثورة

حسام جعدي
في عام 1789، اندلعت الثورة الفرنسية بشعارات براقة: “حرية، مساواة، إخاء”. كان ماكسميليان روبسبيار، المحامي الهادئ والأنيق، أحد أشد المدافعين عن هذه المبادئ، حتى لقبه الناس بـ “الذي لا يُفسد” (The Incorruptible) لنزاهته الشديدة.
لكن بحلول عام 1793، تغير كل شيء. كانت فرنسا محاصرة من جيوش أوروبا، وممزقة بحروب أهلية. هنا، آمن روبسبيار بفكرة متطرفة: “لحماية الفضيلة، لا بد من الرعب”.
شكل روبسبيار “لجنة السلامة العامة”، وتحولت باريس إلى مسرح للرعب. نُصبت المقصلة (التي لقبوها بـ “الموسى الوطني”) في الساحات العامة، وبدأت تعمل دون توقف. لم تقطع رؤوس الملك لويس السادس عشر والملكة ماري أنطوانيت فحسب، بل طالت الجميع: النبلاء، القساوسة، وحتى المواطنين العاديين الذين شُك في “حماسهم الثوري”.
وصل الجنون ذروته حينما استدار روبسبيار ليقتل رفاق دربه. حينما تجرأ صديقه ورفيقه في الثورة جورج دانتون على القول بأن “الوقت حان لوقف القتل”، اتهمه روبسبيار بالخيانة وأرسله إلى المقصلة. وقبل أن يُعدم دانتون، قال نبوءته الشهيرة: “روبسبيار سيتبعني… أنا أنتظره”.
عاش الناس في ذعر، لا أحد يأمن على رقبته. وفي يوم صيفي قائظ من عام 1794 (شهر “ثيرميدور” بالتقويم الثوري)، وقف روبسبيار في البرلمان ملوحاً بقائمة جديدة تضم أسماء “خونة” داخل القاعة، لكنه رفض الكشف عن أسمائهم.
كانت تلك غلطته القاتلة. أدرك النواب أن أي واحد منهم قد يكون التالي. الخوف منحهم الشجاعة، فصرخوا بصوت واحد: “ليسقط الطاغية!”.
اعتُقل روبسبيار، وفي فوضى الاعتقال أُطلقت رصاصة حطمت فكه (إما محاولة انتحار فاشلة أو رصاصة من جندي). قضى ليلته الأخيرة يتألم بصمت رهيب، مربوطاً على طاولة خشبية.
في اليوم التالي، سيق “الذي لا يُفسد” إلى ساحة الثورة. انتزع الجلاد الضمادة عن فكه المحطم فصرخ روبسبيار من الألم، لكن سرعان ما أسكته نصل المقصلة للأبد.
هوت الشفرة، وصفقت الجماهير، وانتهى حكم الرعب بموت صانعه، لتثبت المقولة التاريخية: “الثورة، مثل الإله زحل، تلتهم أبناءها”



