ضائعٌ بين أقرانه
*
الجــزء الرّابع
(6)
*
*
م. فوزي
*
لم تكن السّقطة وليدة لحظة واحدة، بل بدأت على هيئة تفاصيل يوميّة صغيرة، لا تُرى. كانت تظهر على شكل تصرّفات عبثيّة عابرة، تعبّر عن مزاج متقلّب، أو هروب متكرّر لا يلفت الانتباه. لكن تلك التفاصيل الصغيرة كانت، في عمقها، تشكّل طريقا طويلا يقود إلى الهاوية.
كنتُ أستيقظ كل صباح بعزم جديد وتفاؤل، على أن أكون أكثر استقرارا وثباتا. لكن ما إن أضع قدمي خارج البيت حتى يعود داخلي ذلك الصوت الذي يسحبني إلى الوراء.
كانت البلدية بالنسبة لي مكانا مليئا بالتناقضات؛ مسؤولية ضخمة لا تليق بشاب نزق وخجول مثلي، موظفون ينتظرون مواقف شجاعة وترقيات، ملفات تحتاج لقرار جريء، ونائبين ”فوق العادة“ يتصرّفان بنوع من الكبرياء.
وكنت في وسط هذا التحدّي، هشًّا، متذبذبا، أبحث عن مسلك للهروب من المواجهة.
مع مرور الأيام، لاحظت أن بعض الأشخاص بدأوا يقتربون منّي بطريقة فيها نوع من المكر والدّهاء: مقاولون يعرفون كيف يختارون الفرائس النّاعمة.. رجال يظهرون بوجوه ودودة، لكن خلف تلك الوداعة نوايا خبيثة.
كنتُ أضعف من أن أرفض فرصة للهروب من الضغوطات التي كانت ترهقني، بل وتضعفني. وبدأ الآخرون يفهمون هذا الضعف قبل أن أفهمه أنا.
كان الاحمرار الذي يعلو وجهي عند المواجهة كالقرين، أو ”التّابعة“ التي تقف في طريق المرء لتُعيقه وتثنيه عن كل ما يعود عليه بالمنفعة، كان الرّهاب كلبا مسعورا ينهشني من الدّاخل، والكفاءة الغائبة تجعلني أشبه بمن يقف على أطراف أصابعه كي لا يسقط… لكنه في النهاية يسقط كلما حاول أن يظهر أطول مما هو عليه.
وفي كل مرة أعود إلى البيت، كنت كمن تخلّص من حمل ثقيل منهك…
كانت هذه بداية الانزلاق نحو المحظور الذي سيهز حياتي لاحقا.
يتبع…/



إرسال التعليق